إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 مايو 2022

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

 مشروع التراث والتجديد  : البدايات الثورية والنهايات الروحية



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

عضو الجمعية الفلسفية المصرية

        إطلقت كلمة مشاريع فكرية عربية فى الجيل الذى بدأ تفلسفه بعد نكسة 67 إطلقت الكلمة على أعمال مجموعة من الفلاسفة أو المفكريين امثال أركون والجابرى وأدونيس وحسن حنفى وهم يرون ان المشروع الفكرى فى الفكر العربى المعاصر يعادل المذهب الفلسفى فى الفلسفة الغربية .

      وما يهمنا هنا هو المشروع الفكرى المصرى الخالص عند حسن حنفى وهو مشروع التراث والتجديد ، ومن الأسم "التراث والتجديد" واضح أن هناك مشكلة فى قضية الأصالة والمعاصرة .

     وحنفى يرى أن مشروعه هو لتعامل الفكر مع ثلاث جبهات ( الوافد ، والموروث ، والواقع )

الجبهة الأولى : الموقف من الوافد : بدا فى كتاب حنفى " علم الأستغراب "  وهو محاولة لإستبدال المركزية الغربية الأوروبية بمركزية شرقية عربية ، فقد عرفنا "علم الاستشراق"  كنوع من دراسة الشرق كموضوع  - موضوع تاريخى متحفى - كما فى الصينيات ،الهنديات المصريات ، الاسلاميات .

      جاء حنفى ولم يعجبه ذلك فتعامل بمركزيته هو أى استبدل المركزية من غربية أوروبية إلى شرقيه عربية ليدرس تاريخ الفلسفة الغربية من منظور العلم الشرقى وبعيون عربية . لذلك يكره حنفى ان نقول عنه فيلسوف فينومنولوجيا . فالفيلسوف الغربى غير الحكيم العربى ، ولكن يظل  أيضا - علم الاستغراب - مركزى الفكر استبدل مركز بمركز ولم يعتمد تعدد المراكز كما فى دراسات الفلسفة المقارنة اليوم .

الجبهة الثانية : الموقف من الموروث – وهى الأكثر جدلا بفعل توقيت إزدهار الصحوة الدينية -  :  وهو يمثل إعادة لبناء الماضى طبقا لمتطلبات الحاضر . فكان كتاب "من العقيدة للثورة" خمسة اجزاء استغرق تاليفها 17  عاما (فى علم العقيدة وعلم الكلام ) وهو أخطر الأجزاء على الأطلاق .

       ونجد فيه ايضاح لتسلط تيار الأشعريه على العقيدة واكتسابه انتشارا و سلطة بفعل الاحداث السياسية  ، فى حين تضائل تيار المعتزلة العقلى وقلت سلطته على العامة ، وهذا ما كرس له "على مبروك" حياته فى كتابه عن الأ شعرية ، ولازلنا حتى اليوم نعانى من تسلط العقيدة الاشعرية واضمحلال الفكر المعتزلى .

     ثم يأتى "من النقل الى الابداع" تسعة اجزاء استغرق تاليفها  12 عاما وهو فى الفلسفة العربية ومن المعلوم ان دور الفلسفة العربية فى الثقافة العربية كان التهميش بعد تكفير الغزالى للفلاسفة وفتوى ابن الصلاح بتحريم الفلسفة ولكن قراءة حنفى قراءة هامه للفلسفة العربية التراثية ومراحلها .

     ثم من النص الى الواقع جزءان استغرقا فى تاليفهما عامين وهو فى إعادة بناء علم أصول الفقه ، والفقه بالتحديد أى اسلام الفقهاء كما يسميه حنفى هو الصوت الأعلى فى التراث العربى لانه يتميز بمسار تطبيقى عملى .

     ثم "من الفناء الى البقاء" جزاءن استغرق تاليفهما عامين وهو فى التصوف الاسلامى كجزء أصيل من التراث لا يمكن تجاهل تأثيراته الممتدة فى الواقع ، وهو ما اهتم به "نصر حامد ابو زيد فى كتابه عن ابن عربى وهو من أهم تلاميذ حنفى .

الجبهة الثالثة :  الموقف من الواقع : ( التجارب الحية التى يعيشها الفكر وهو التعامل مع الواقع مباشرة او التنظير المباشر للواقع دون توسيط النص - فقد وضع فى الهامش- بل إنشاء نص جديد ) وهنا يقدم حنفى تنظيره للواقع اى نصه الفلسفى الجديد من خلال القرآن وتأويله .  موقف حنفى من الواقع كفيلسوف هو تفسير للقرآن ! فالقرآن فى الواقع والواقع فى القرآن ، كيف يفهم ذلك؟

     هو يقسم نظرية التفسير للقرآن والهادفة فى النهاية لفهم دلالة النص : بان لها جانب موضوعى وهو تفسير باسباب النزول ، وجانب ذاتى روحى فى التجربة الذاتية أو التأويل فالقرآن عند حنفى متعدد الدلالة حمال أوجه وهو فى النهاية لا يقول ولكن تقول به الرجال على طريقة موت المؤلف عند رولان بارت .

      سيذكرنا حنفى بكلامه عن علم التفسير أحد علوم القرآن والذى هو تحول  بفعل ظروف تاريخيه من المحمول الى الحامل ، المحمول يشير لواقع مرجع و الحامل هو اللفظ أو القضية المنطقية او العبارة ، فعلم التفسير ابتعد ليقدس الحامل أو العبارة وأن يفسرها استنباطيا دون ان يتعمق فى استقراء المحمول الذى هو المرجع الواقعى الذى يشير للدلالة وهذا ما سيفعل حنفى عكسه ، ليس مفسرا للقرآن بل مفسرا للواقع بإستخدام القرآن .

       ولا ننسى ان حنفى دعا لنقل علوم الحديث من نقد السند لنقض المتن ، ودعا فى علم السيرة للانتقال من الرسول الى الرساله  . اذا اعتبرنا محاولة حنفى هى تفسير فهو لا يسير على      مناهج القدماء من التفسير بالمأثور بل انتقل للتفسير بالمعقول و التفسير النفسى الاجتماعى السياسى عند حنفى. وهى رؤية ابو بكر عندما قال لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى القرآن.

       ربما يرى البعض ما يقدمه حنفى يحسب على التفسير اللغوى وهو ايضا انتقال من التفسير الطولى الى التفسير الموضوعى العرضى الذى يهتم بتحليل المضمون و هو تطوير للتحليل اللغوى القديم ودلالة التكرار والاضافة والتعريف ، فاذا كان التفسير الطولى يضحى بالموضوع من اجل الوضع الثابت للنص فان التفسير الموضوعى يضحى بالوضع الثابت للنص من اجل وحدة الموضوع .

      الوحى قول والآيات وقائع والتعامل مع الآيات هو تعامل مع الواقع الأول واسباب النزول ومعرفتها شرط الفهم بمقدار توجه الاية نحو التجربة الذاتية ولمس اعماقها .

     هناك ايات اخبارية محضة  تهم التفسير التاريخى وايات تشريعية خالصة لتوجيه السلوك وايات تشير الى عوالم مستقبلية من اجل الترغيب او الترهيب ، وايات تحيل الى عوالم غيبية يصعب التحقق من تصديقها عقليا او تجريبيا كما هو الحال فى القضايا المنطقية ، وايات انسانية تعبر عن تجارب انسانية خالصة وهى ايات ذات معانى بديهية لا تحتاج الى قواميس لغوية او تفسيرات طوليه هى ايات تتجه الى الشعور مباشرة وتصطاد تجاربه الحيه لاتفاق الدلالتين دلالة الآيه ودلاله التجربه - لذلك لا يطلب تفسير كل ايه سواء طابقت تجربه حيه ام لم تطابق - فالايات التى لا تطابق تظل رصيدا لقراءة ثانية او لتجارب ممتدة متراكمه - تظل التجربة الانسانية اوسع واشمل من مضمون النص ولكن يظل النص اشمل من التجربه الانسانية نظرا لان الانسان لم يمر بكل التجارب التى عبرت عنها النصوص عبر التاريخ .

     هل البداية من تحليل النص ام وصف التجربه الذاتية ، البدايه فى الفهم هو اتحاد معنى النص ودلاله التجربه فى ادراك مباشر للغة والتجربه فى ان واحد وهى العلاقة بين التفسير والفهم التفسير للنص والفهم للتجربه ، فمعنى النص ليس فى العباره بل فى النفس مثال الم نشرح لك صدرك ، الشرح اناره القلب واكتشاف تطابق المعنى فى النفس الواقع مع المعنى فى النص  وهذا معنى التاويل ولذا يعد المصدر الأول للنص هو النفس و القراءة تعنى فهم النص بالرجوع للنفس.

     التفسير وصف التجارب الحية فيصبح التفسير اقرب الى التحليل الثقافى والتنظير المباشر للواقع يتحول التفسير الى علم من العلوم الاجتماعية يتحول الاستنباط الكامل لاستقراء الواقع الذى هو فى اصله تجربه أو جواب على سؤال او تصوير لموقف صراع قبل ان يدون والتجربه الحيه هى نص بالمعنى الواسع اى مصدر معرفى شامل  ، نص قبل التدوين ام تجربه معاشة مثال قد نرى تقلب وجهك فى السماء وقول اقراء فالاساس هو التجربه والتعبير عن تدوينها هو النص .

     الموقف من الواقع هو استقراء الحقائق من الواقع المعاش مباشرة وتحويله الى نص جديد، ونظرية التفسير هو استنباط نفس الحقائق من النص الاول وهو القرآن ، وبيان اتفاق الاستقراء مع الاستنباط، التأويل مع التنزيل ، النص والواقع و وضع النص بالرغم من اولويته فى الواقع الثقافى فى الهامش اسفل الصفحة لاعطاء الاولوية للاستقراء على الاستنباط وللتأويل على التنزيل ومن اجل التحرر من ثقافه النص وحجة السلطة

     لماذا لم يكن بالامكان التخلى عن النص ؟ اولا : لتحرير النص من محتكرى تفسيره اعتمادا عليه وحده . ثانيا : تعطى افتراضا علميا لنظرية الرؤية بان الادراك لا ياتى فقط عن طريق الحواس التى تنطبع عليها صور الموضوعات من الخارج للداخل بل مقابلة ذلك بشعاع اخر يخرج من القلب او الوعى من الداخل الى الخارج فيتقابل الشعاعان فيحدث الادراك . ثالثا : تحقيق وحدة الثقافة جمعا بين الموروث النصى والوافد النظرى فيقل الاستقطاب بين مصدرى الثقافة المعاصرة رابعا : ضد ظاهرة التشكل الكاذب مضمون الموروث بلغة الوافد . خامسا : يصبح التفسير اقرب الى الادب الوجودى فى وصف الخبرات الشعورية والسير الذاتية ولا توجد نقطه بدايه اخرى غير النص او التجربه فالواقع نفسه قد تحول لنص بعد التدوين وهو التجربه نفسها قبل ان تتحول لنص فشكسبير فى تصويره الحب فى روميو وجوليت والانتقام فى هاملت والرغبة فى السلطة فى ماكبث  هو اقرب منه الى التفسير منه الى النظرية . حد ادنى من التحليل النظرى وحد اعلى من التطبيق العملى لايجاد تطابق بين معنى النص البديهى مع دلاله التجربه الحية البديهيه فالمحاولة نظريه فى البداهة المزدوجه بداهة النص وبداهة التجربة الحية .



مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

  مشروع التراث والتجديد     : البدايات الثورية والنهايات الروحية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ عضو الجمعية الفلسفية المصرية          إطلقت كلمة ...