إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 مايو 2022

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

 مشروع التراث والتجديد  : البدايات الثورية والنهايات الروحية



بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ

عضو الجمعية الفلسفية المصرية

        إطلقت كلمة مشاريع فكرية عربية فى الجيل الذى بدأ تفلسفه بعد نكسة 67 إطلقت الكلمة على أعمال مجموعة من الفلاسفة أو المفكريين امثال أركون والجابرى وأدونيس وحسن حنفى وهم يرون ان المشروع الفكرى فى الفكر العربى المعاصر يعادل المذهب الفلسفى فى الفلسفة الغربية .

      وما يهمنا هنا هو المشروع الفكرى المصرى الخالص عند حسن حنفى وهو مشروع التراث والتجديد ، ومن الأسم "التراث والتجديد" واضح أن هناك مشكلة فى قضية الأصالة والمعاصرة .

     وحنفى يرى أن مشروعه هو لتعامل الفكر مع ثلاث جبهات ( الوافد ، والموروث ، والواقع )

الجبهة الأولى : الموقف من الوافد : بدا فى كتاب حنفى " علم الأستغراب "  وهو محاولة لإستبدال المركزية الغربية الأوروبية بمركزية شرقية عربية ، فقد عرفنا "علم الاستشراق"  كنوع من دراسة الشرق كموضوع  - موضوع تاريخى متحفى - كما فى الصينيات ،الهنديات المصريات ، الاسلاميات .

      جاء حنفى ولم يعجبه ذلك فتعامل بمركزيته هو أى استبدل المركزية من غربية أوروبية إلى شرقيه عربية ليدرس تاريخ الفلسفة الغربية من منظور العلم الشرقى وبعيون عربية . لذلك يكره حنفى ان نقول عنه فيلسوف فينومنولوجيا . فالفيلسوف الغربى غير الحكيم العربى ، ولكن يظل  أيضا - علم الاستغراب - مركزى الفكر استبدل مركز بمركز ولم يعتمد تعدد المراكز كما فى دراسات الفلسفة المقارنة اليوم .

الجبهة الثانية : الموقف من الموروث – وهى الأكثر جدلا بفعل توقيت إزدهار الصحوة الدينية -  :  وهو يمثل إعادة لبناء الماضى طبقا لمتطلبات الحاضر . فكان كتاب "من العقيدة للثورة" خمسة اجزاء استغرق تاليفها 17  عاما (فى علم العقيدة وعلم الكلام ) وهو أخطر الأجزاء على الأطلاق .

       ونجد فيه ايضاح لتسلط تيار الأشعريه على العقيدة واكتسابه انتشارا و سلطة بفعل الاحداث السياسية  ، فى حين تضائل تيار المعتزلة العقلى وقلت سلطته على العامة ، وهذا ما كرس له "على مبروك" حياته فى كتابه عن الأ شعرية ، ولازلنا حتى اليوم نعانى من تسلط العقيدة الاشعرية واضمحلال الفكر المعتزلى .

     ثم يأتى "من النقل الى الابداع" تسعة اجزاء استغرق تاليفها  12 عاما وهو فى الفلسفة العربية ومن المعلوم ان دور الفلسفة العربية فى الثقافة العربية كان التهميش بعد تكفير الغزالى للفلاسفة وفتوى ابن الصلاح بتحريم الفلسفة ولكن قراءة حنفى قراءة هامه للفلسفة العربية التراثية ومراحلها .

     ثم من النص الى الواقع جزءان استغرقا فى تاليفهما عامين وهو فى إعادة بناء علم أصول الفقه ، والفقه بالتحديد أى اسلام الفقهاء كما يسميه حنفى هو الصوت الأعلى فى التراث العربى لانه يتميز بمسار تطبيقى عملى .

     ثم "من الفناء الى البقاء" جزاءن استغرق تاليفهما عامين وهو فى التصوف الاسلامى كجزء أصيل من التراث لا يمكن تجاهل تأثيراته الممتدة فى الواقع ، وهو ما اهتم به "نصر حامد ابو زيد فى كتابه عن ابن عربى وهو من أهم تلاميذ حنفى .

الجبهة الثالثة :  الموقف من الواقع : ( التجارب الحية التى يعيشها الفكر وهو التعامل مع الواقع مباشرة او التنظير المباشر للواقع دون توسيط النص - فقد وضع فى الهامش- بل إنشاء نص جديد ) وهنا يقدم حنفى تنظيره للواقع اى نصه الفلسفى الجديد من خلال القرآن وتأويله .  موقف حنفى من الواقع كفيلسوف هو تفسير للقرآن ! فالقرآن فى الواقع والواقع فى القرآن ، كيف يفهم ذلك؟

     هو يقسم نظرية التفسير للقرآن والهادفة فى النهاية لفهم دلالة النص : بان لها جانب موضوعى وهو تفسير باسباب النزول ، وجانب ذاتى روحى فى التجربة الذاتية أو التأويل فالقرآن عند حنفى متعدد الدلالة حمال أوجه وهو فى النهاية لا يقول ولكن تقول به الرجال على طريقة موت المؤلف عند رولان بارت .

      سيذكرنا حنفى بكلامه عن علم التفسير أحد علوم القرآن والذى هو تحول  بفعل ظروف تاريخيه من المحمول الى الحامل ، المحمول يشير لواقع مرجع و الحامل هو اللفظ أو القضية المنطقية او العبارة ، فعلم التفسير ابتعد ليقدس الحامل أو العبارة وأن يفسرها استنباطيا دون ان يتعمق فى استقراء المحمول الذى هو المرجع الواقعى الذى يشير للدلالة وهذا ما سيفعل حنفى عكسه ، ليس مفسرا للقرآن بل مفسرا للواقع بإستخدام القرآن .

       ولا ننسى ان حنفى دعا لنقل علوم الحديث من نقد السند لنقض المتن ، ودعا فى علم السيرة للانتقال من الرسول الى الرساله  . اذا اعتبرنا محاولة حنفى هى تفسير فهو لا يسير على      مناهج القدماء من التفسير بالمأثور بل انتقل للتفسير بالمعقول و التفسير النفسى الاجتماعى السياسى عند حنفى. وهى رؤية ابو بكر عندما قال لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى القرآن.

       ربما يرى البعض ما يقدمه حنفى يحسب على التفسير اللغوى وهو ايضا انتقال من التفسير الطولى الى التفسير الموضوعى العرضى الذى يهتم بتحليل المضمون و هو تطوير للتحليل اللغوى القديم ودلالة التكرار والاضافة والتعريف ، فاذا كان التفسير الطولى يضحى بالموضوع من اجل الوضع الثابت للنص فان التفسير الموضوعى يضحى بالوضع الثابت للنص من اجل وحدة الموضوع .

      الوحى قول والآيات وقائع والتعامل مع الآيات هو تعامل مع الواقع الأول واسباب النزول ومعرفتها شرط الفهم بمقدار توجه الاية نحو التجربة الذاتية ولمس اعماقها .

     هناك ايات اخبارية محضة  تهم التفسير التاريخى وايات تشريعية خالصة لتوجيه السلوك وايات تشير الى عوالم مستقبلية من اجل الترغيب او الترهيب ، وايات تحيل الى عوالم غيبية يصعب التحقق من تصديقها عقليا او تجريبيا كما هو الحال فى القضايا المنطقية ، وايات انسانية تعبر عن تجارب انسانية خالصة وهى ايات ذات معانى بديهية لا تحتاج الى قواميس لغوية او تفسيرات طوليه هى ايات تتجه الى الشعور مباشرة وتصطاد تجاربه الحيه لاتفاق الدلالتين دلالة الآيه ودلاله التجربه - لذلك لا يطلب تفسير كل ايه سواء طابقت تجربه حيه ام لم تطابق - فالايات التى لا تطابق تظل رصيدا لقراءة ثانية او لتجارب ممتدة متراكمه - تظل التجربة الانسانية اوسع واشمل من مضمون النص ولكن يظل النص اشمل من التجربه الانسانية نظرا لان الانسان لم يمر بكل التجارب التى عبرت عنها النصوص عبر التاريخ .

     هل البداية من تحليل النص ام وصف التجربه الذاتية ، البدايه فى الفهم هو اتحاد معنى النص ودلاله التجربه فى ادراك مباشر للغة والتجربه فى ان واحد وهى العلاقة بين التفسير والفهم التفسير للنص والفهم للتجربه ، فمعنى النص ليس فى العباره بل فى النفس مثال الم نشرح لك صدرك ، الشرح اناره القلب واكتشاف تطابق المعنى فى النفس الواقع مع المعنى فى النص  وهذا معنى التاويل ولذا يعد المصدر الأول للنص هو النفس و القراءة تعنى فهم النص بالرجوع للنفس.

     التفسير وصف التجارب الحية فيصبح التفسير اقرب الى التحليل الثقافى والتنظير المباشر للواقع يتحول التفسير الى علم من العلوم الاجتماعية يتحول الاستنباط الكامل لاستقراء الواقع الذى هو فى اصله تجربه أو جواب على سؤال او تصوير لموقف صراع قبل ان يدون والتجربه الحيه هى نص بالمعنى الواسع اى مصدر معرفى شامل  ، نص قبل التدوين ام تجربه معاشة مثال قد نرى تقلب وجهك فى السماء وقول اقراء فالاساس هو التجربه والتعبير عن تدوينها هو النص .

     الموقف من الواقع هو استقراء الحقائق من الواقع المعاش مباشرة وتحويله الى نص جديد، ونظرية التفسير هو استنباط نفس الحقائق من النص الاول وهو القرآن ، وبيان اتفاق الاستقراء مع الاستنباط، التأويل مع التنزيل ، النص والواقع و وضع النص بالرغم من اولويته فى الواقع الثقافى فى الهامش اسفل الصفحة لاعطاء الاولوية للاستقراء على الاستنباط وللتأويل على التنزيل ومن اجل التحرر من ثقافه النص وحجة السلطة

     لماذا لم يكن بالامكان التخلى عن النص ؟ اولا : لتحرير النص من محتكرى تفسيره اعتمادا عليه وحده . ثانيا : تعطى افتراضا علميا لنظرية الرؤية بان الادراك لا ياتى فقط عن طريق الحواس التى تنطبع عليها صور الموضوعات من الخارج للداخل بل مقابلة ذلك بشعاع اخر يخرج من القلب او الوعى من الداخل الى الخارج فيتقابل الشعاعان فيحدث الادراك . ثالثا : تحقيق وحدة الثقافة جمعا بين الموروث النصى والوافد النظرى فيقل الاستقطاب بين مصدرى الثقافة المعاصرة رابعا : ضد ظاهرة التشكل الكاذب مضمون الموروث بلغة الوافد . خامسا : يصبح التفسير اقرب الى الادب الوجودى فى وصف الخبرات الشعورية والسير الذاتية ولا توجد نقطه بدايه اخرى غير النص او التجربه فالواقع نفسه قد تحول لنص بعد التدوين وهو التجربه نفسها قبل ان تتحول لنص فشكسبير فى تصويره الحب فى روميو وجوليت والانتقام فى هاملت والرغبة فى السلطة فى ماكبث  هو اقرب منه الى التفسير منه الى النظرية . حد ادنى من التحليل النظرى وحد اعلى من التطبيق العملى لايجاد تطابق بين معنى النص البديهى مع دلاله التجربه الحية البديهيه فالمحاولة نظريه فى البداهة المزدوجه بداهة النص وبداهة التجربة الحية .



مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

الأحد، 26 ديسمبر 2021

رحيل " صلاح قنصوة"

رحيل النموذج العصرى

للفيلسوف العربى

رحيل " صلاح قنصوة"



بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

"2019

  اكتمل اليوم مشروع انسان كان اسمه صلاح قنصوة ، حيث انه آمن ان الانسان مشروع لم يكتمل بعد الا بانضمامه الى عالم الاشياء ( اى الموت ) ، التى تتطابق وجودها مع ماهيتها ، فالانسان وجوده يسبق ماهيته ،  وتتحدد ماهيته عبر رحلة ومشروع انسانى حتى تكتمل بموته وانضمامه الى عالم الاشياء .

        لم يكن قنصوة استاذا للفلسفة بالمعنى الدارج الاكاديمى التقليدى موظف بالجامعة وعضو هيئة تدريس ، بل كان اكثر من ذلك كان فيلسوفا كتب بالعربية وعبر بالعربية ، فهو يرى ان الانشطة الانسانية الكبرى كالعلم والفن والفلسفة لا وطن لها ،  ولا قوميه ، لها بل هى وطن فى حد ذاته ، فهو فيلسوف ذو نزعة انسانية صرفه  ،  حتى وان كان عبر عن فلسفته بالعربية ولد ومات مصرى الجنسية ، كان صلاح مقل فى كتاباته ، الا ان كتاباته كانت مؤثرة وقويه ، فهى اعتمدت كمراجع ومصادر اساسية تعتمد عليها مختلف التخصصات الاكاديمية ، وذلك لانه كان يرى الكتابه مسئوليه والتزام ، وليس مجرد سرد لكلمات ، كتب كتاب "فلسفة العلم " الذى يعد مرجعا ضروريا فى المنطق وفلسفة العلم ، وكتب فى الموضوعية فى العلوم الاجتماعية ، ولذا فاى دارس فى العلوم الطبيعية او الانسانية لابد وان يرجع لقنصوة ، وكتب فى القيم كتابا مصدريا كما كتب اخيرا فى فلسفة الفن ، ونقف عند فلسفة الفن بالتحديد فقنصوة كان ناقدا تشكيلا وفنيا محترما ، وكان يمتلك اداء مسرحى قوى وساخر يعبر به عن الفلسفه ، ومن هنا يصبح مؤثرا ، كانت سخريته تعكس قدرا كبيرا من الالم ، عن ما الت له الاحوال الاجتماعية والسياسية والثقافية ، وكانت تضحك حتى تصدر لدى شخيرا قويا من الضحك ، قنصوة كان يعتبر الفلسفة نقدا ثقافيا واشهد انه قد مارسه ، وكتب تمارين فى النقد الثقافى ، النقد والسخريه والتهكم والاداء المسرحى جعله نموذجا لممارسة الفلسفة فريدا ومؤسسا لمدرسه خاصه يدين اليه من تتلمذوا على يديه فى اكاديمية الفنون ، حيث كان فنانا فيلسوفا فان اثر قنصوة ليس بكتاباته وحدها بل بمنهجه فى الحديث الفلسفى على تلاميذ كثر اعتبروه قدوه واتخذوا اداءه الفلسفية نموذجا للاداء الفلسفى المثالى  ولا انكر انى واحد منهم . قنصوة لم يكن منشغلا بما انشغل به جيله مشاريع الفلسفة العربية وذلك لانه كان شخصا متواضعا يرى نفسه فقط هى المشروع ولا يشرع لغيره ،وذلك واضافه واثراء حقيقى لروح العالم العالم كله وليس العربى فقط ، هو رفض التسلط الذى تحويه القوميه العربية او اى قوميه او سياسة على الانسان ، رفض تسلط الدين رفض التيارات الاسلاميه السياسية  ، رفض ان يكون صاحب مشروع الا مشروعه الانسانى هو كانسان فكان منبرا منيرا لكل انسان،  ساذكر كلمات اثرت فى من قنصوة غير الوجوديه وعشق الفن و ورفض الاسلام السياسى ورفض السلطات القائمه . وجدته ذات يوما فى المجلس الاعلى للثقافه وفىندوه جادة ومتجهمة ليقول عن النظريه التربويه التعليميه الفاذة العظيمه  "الشوال ابو فله"  حيث يعتبر الطالب شوال على الاستاذ ملئه بمعلومات وفى مؤخرته فله يخلها الطالب عن الامتحان ليكب ويرجع فى ورقه الامتحان ثميضع الفله ويخرج كما كان ،  كم كانت نظريته عميقه فهى نظريه عن اسلوب التلقين فى الجامعات والمعاهد والذى يستهوى الدحيحة مما يجعلهم يتفوقون ويصبحون سادة العلم ، وهم لم يتعلموا اصلا ان يتفاعلوا مع المادة العلمية تؤثر فيهم وفى حياتهم كلها ، ربما معظم السلطات والمناصب مكونه من هؤلاء الدحيحة ، واذكر ايضا حديثه عن الصفحة الاولى فى الجرائد القوميه وكم هى تحتفى وتحتفل بان الحكومه تراعى محدودى الدخل والفقراء وتحب الشعب وان الشعب تعود على هذه المغازله ، اذكر ايضا انتقادة للتيار الدينى فاذا كانت الانسان يطرح اسئله عن وجوده كمن انا ؟ومن اين اتى العالم؟  والى اين يذهب ؟ فان الدين كما يدعى الاسلاميون يجاوب هذه الاسئلة فالاسئلة مجابه سلفا ، ولا داعى لفلسفة او علم ولا يحزنون ، لقد كان انسانيا ديمقراطيا يقبل الاخر ويقبل الجديد ، لم يقف ليصتدم بالمقدسات او التراث بل ذهب بفكرة لارض واسعه رحبه ينهل العلم ويضيف فيه الجديد ويفهم جيدا دور الفلسفة فهى ليست مشاريع فكريه كبرى بل مجرد اسهامات فى النقد الثقافى ومؤثرة بذلك فى المجتمع والناس ، كان قنصوة ناقدا لكل من حوله بقبول لا بمقت وكراهيه ، فكان يستحق اكثر مما اخذ من التكريم فهو حائز على جائزة الدوله التقديرية وعين رئيسا للجنه الفلسفة بالمجلس الاعلى للثقافة ، شرفنى استاذى ذات يوم بان اكتب على الكمبيوتر عددا من الابحاث عن قنصوة وهو استاذى احمد عبد الحليم ، وفوجئت ان قنصوة فيلسوف التجربه الحياتية وليس الدحيح الاكاديمى ، قنصوة دخل السجن لانه هرب من الجيش بعد ان تخرج ، ولذا لم يعين فى الجامعة ولكنه عمل فى مركز الابحاث الاجتماعيه ، ثم وضعوه فى الاقاليم كاستاذ للفلسفه ، ثم بدات الدول العربية تعرف قيمته وتستقطبه ، الى ان اصبح فى اكاديمية الفنون استاذا وشيخ طريقه

،وهو اكثر من ذلك . اننى اريد ان اصبح كنموذج قنصوة فى الفلسفة الاداء المسرحى الساخر النقد الثقافى الا اننى لا استطيع ان اكون كاتبا مثله فى الفلسفة فهو كاتب مسئول نوعيه كتاباته شاقه جدا انه يكتب مصادر اساسية وليس مجرد كتبا ادبيه تحيه منى له فى عالمه الجديد عله يقدر ويكرم كما يستحق فعلا فيلسوفا عربيا مشرفا سعد كل من قابله بلقائه واسعد اننى عشت ولو جزء بسيط من عصره واستمتعت بطلته التى تشبه طله الفلسفة ذاتها .

توفى عن عمر 83 بعد صراع مع المرض ، قنصوة الذى يعد واحدًا من ألمع أساتذة الفلسفة فى مصر، حيث تخرج فى كلية الآداب جامعة القاهرة قسم الفلسفة عام1957، وعمل أستاذا ورئيس قسم الفلسفة فى كل من جامعة الزقازيق بمصر، وجامعة صنعاء باليمن ورئيسا للمعهد العالى للنقد الفنى باكاديمية الفنون من 1993 حتى 1996. كما عمل صلاح قنصو عضوًا فى لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة، وخبير بلجنة الفلسفة وعلم الاجتماع بالمجمع اللغوى بالقاهرة، وعضو الرابطة الدولية لنقاد الفن التشكيلى "الأيكا" فى باريس، وهو عضو مؤسس للجمعية المصرية للفلسفة، والجمعية العربية للفلسفة، وجمعية الدراسات الجمالية، وجمعية النقد الأدبي، وجمعية محبى الفنون الجميلة، والجمعية المصرية للدراسات التاريخية.


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

اتيقا الراهن قراءة فى كتابات الاستاذ عطية

 

اتيقا الراهن قراءة فى كتابات الاستاذ عطية(*)






 أحمد حمدى حسن(**)

 · تمهيد : 

                انه لمن العسير قراءة فكر استاذ تميز بالدقة فى القراءة , وتمتع بذلك الصبر الذى لا يعرفه سوى من يسعى لاكتناه الوضوح النظرى فى كل ما يقرأ , وهو فى العادة لا يقرأ الا ذلك النوع من الكتابة فى القضايا الفلسفية التى تتميز بالغموض والالغاز و الالتباس باعتباره قارئا لنيتشه وما بعد الحداثة , فالاستاذ الدكتور أحمدعبد الحليم عطية يقدم قراءات تسعى لأن تزيل بعض الغموض عن كل ما يتعرض له بالقراءة , فلا ابالغ ان قلت انه من أوضح كتاب الفلسفة المعاصرة فى عالمنا العربى المعاصر , وذلك انما ينم عن نهم عميق وتمثل عاشق لكل ما يتعرض له بالدراسة والبحث , فهو حريص على الفهم وبالتالى التسلسل المنطقى لافكاره وذلك يساهم فى خلق ذلك الوضوح النظرى الذى ينشده , و الذى من العسير ان نجده فى كثير من القراءات العربية الحديثة والمعاصرة . 

                ان فن القراءة الشاملة التى تحوى كل معطيات المقروء , وتدرك العلاقات المعقدة بين عناصره , تلخص تلك النزعة الموسوعية و التأويلية لدى هذا المفكر , فهو يسعى جاهدا لاحتواء الزمان بعناصره الثلاث الماضى والحاضر والمستقبل . فلو تتبعنا الاهداءات فى اهم ثلاث كتب اخلاقيه لديه , وجدناها تعبر عن ذلك على النحو التالى فى اهداء الكتاب الاول " دراسات فى الاخلاق " يقول " الى استاذى الدكتور أبو الوفا التفتازانى مثالا ونموذجا وواقعا حيا للخلق الاسلامى " (1) وهو يتمثل و يحتوى من خلال الاهداء الجيل السابق عليه من اساتذته – وهو الشئ الذى ربما توقفت عنده كثير من الاهداءات فى الكتب ولكن يتميز ذلك الاختيار لابو الوفا التفتازانى استاذ التصوف الاسلامى – بانه يحتوى من خلاله ذلك الفكر الذوقى الاسلامى الاصيل فى تراثنا العربى فكر التصوف والتفتازانى احد اساتذته الذى كتب عنه دراسة شاملة . فضلا عن ان للاستاذ عطيه كتاب تذكارى عن استاذه توفيق الطويل استاذ الأخلاق , الذى أهدى إليه كتابه فى القيم أيضا , بالاضافة إلى دراسات عديدة عن بقية اساتذته (2) . وجاء أهداء الكتاب الثانى " الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر" " إلى جيلى الذى تتعدد أسماءه ورموزه , والذى يحلم بثقافة جديدة للواقع تعيد صنعه أفضل " (3) وهو يتمثل و يحتوى بهذا الأهداء جيله وقلما نجد مثل هذا الاهتمام لدى الكتاب انه تعبير عن ذلك الحلم المشترك لواقع افضل الذى ربط بينه وبين جيله انها محاولته لاحتوائه الحاضر واللحظة الراهنه دائما . ويضئ لنا هذا الاهداء حرص الاستاذ على العمل الجماعى وتقريب هذا الجيل فى جهد فلسفى مشترك , نادرا المثل يظهر فى "أوراق فلسفية " والكتاب التذكارى عن اعلام الفكر العربى المعاصر , من اصدارات أوراق فلسفية . واهداء الكتاب الثالث " الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى " " إلى طلابى فى قسم الفلسفة بآداب القاهرة أقدم هذه الدراسات لعلها تكون عونا لهم فى تكوين رؤية نقدية واعية للانسان فى هذا العصر "(4) انه يحاول هاهنا ان يحتوى جيلا اتى من الطلاب ( اننى واحدا منهم ) لا يهدف من خلاله لتنميطهم بل يهدف لخلق رؤية واعية ونقدية فيهم ويخاطب من خلالهم العصر ايضا . وقد ترجم ذلك عمليا فى تشجيعهم على الكتابة والمشاركة فى الندوات الفلسفية المختلفة التى ينظمها . 

           فالقراءة الشامله للواقع تطلبت من الاستاذ عطية ان يجمع ثلاث اجيال جيل سابق له يمثل الاساس والتكوين , وهو يظهر أوضح ما يكون فيما كتبه تحت عنوان " الخطاب الفلسفى فى مصر " (5), و جيله الذى يمثل الحاضر واللحظة الراهنه التى يدعو لها وهناك جيل اخر هو جيل الطلاب , أو المستقبل الذى يراهن عليه أستاذنا(6) , يبدو هذا فى كل فكر الدكتور عطية ليس مجرد حوارا للاجيال بل ضرورة تداخل كل جيل مع الاخر فى العمل , وتقريب الماضى والمستقبل فى اللحظة الراهنة , تلك اللحظة التى يبدو انها تشغل الاستاذ كثيرا , لن اتحدث عن جهوده العملية المضنية التى رأيتها منه لتحقيق ذلك التقريب فانا احد تلاميذه ولكنى ساتحدث عن ذلك من خلال فكره النظرى وعبر دراساته الاخلاقية , ابتداء من العصر اليونانى ومرورا بالعصر الاسلامى والعصر الحديث حتى الفلسفة المعاصرة (7).

 1 – الأخلاق اليونانية و الاسلامية والحديثة ...... النظرة الشمولية . 

        فهو يبدأ بتتبع الاخلاق فى العصر اليونانى بدراسته عن الاخلاق الارسطية(8) ولكن هل ينسى الاستاذ اللحظة الراهنة عندما يتحدث عن العصر اليونانى؟ ابدا .. فهو يتساءل "لماذا ارسطو اليوم"(9) فى مقدمة دراسته . ثم ينتقل للعصر العربى الاسلامى وهنا لا يبحث عن الاخلاق فقط بل يبدو وكانه يبحث عن ذلك العصر باشكال مختلفة , ذلك ان الاهتمام بالفلسفة العربيه جزءا من تكوينه , فهو يبحث عن الاخلاق فى النسق العربى الاسلامى عموما وليس فى الفلسفة , مع دراسته لها من خلال المستشرق دى بور فى مطلع كتابه دراسات فى الاخلاق(10). دى بور الذى ينهى دراسته عن الاخلاق فى النسق الاسلامى بفقرة بعنوان الحالة الراهنه, وهى اللحظة التى يسعى ان يتعمقها ,وهذه اول ملحوظة هامة , اما الثانية انه ينشر مع الدراسة عن دى بور ترجمة لدراسة دى بور نفسها, يعكس شغفه بالدقة و الوضوح وتواضعه العلمى اذا يفتح المجال لمزيد من التصورات حول دراسة دى بور عن الاخلاق والحياة الاخلاقية عند المسلمين ولا يغلق الباب بدراسته , كما سيفعل فى الكثير من كتاباته المقبله (نشر النص الاصلى مع تحليلاته وتعقيباته الخاصة ) , اما الملاحظة الثالثه انه وكمترجم يقدم نص بالعربية لاول مره يتم فيه تناول الاخلاق لا من منظور فلسفى فقط وانما من منظور النسق الاسلامى ككل والوضع الراهن, وكذلك سنرى الاستاذ يتتبع تلك المواطن التى سكت عنها التاريخ باسلوب حفرى تنقيببى مستوحى من اشارات ما بعد حداثية تعود لميشيل فوكو , كما يبحث بشكل اخر فى امتداد الفلسفة الارسطية فى الفلسفة الاسلامية الاخلاقية فى دراسته عن الاخلاق الارسطية(11) . اما الدرة الفريدة فى الفلسفة الأخلاقية الاسلامية التى يقدمها لنا الاستاذ أحمد عبد الحليم عطيه فتتمثل فى ترجمته الشامله لفيلسوف قد يكون ابتعد عن الذكر بشكل واضح ومكثف فى الخطاب التاريخى للفلسفة الاسلاميه هو العامرى من القرن الرابع الهجرى(12) وهنا نقول ما قلناه عن ما يميز الاستاذ من اسلوب فريد فى الحفر والتنقيب فى التراث بل لا يكتفى بمجرد ترجمته للعامرى متاثرا بتناول اركون له فى اطار النزعة الانسانية فى الفكر الاسلامى , بل يقدم لنا دراسة عن الفكر السياسى والاخلاقى لديه عبر اسلوبه فى تتبع القضايا التى اثارها العامرى فى حياتنا الفكرية الراهنة المعاصرة, ويقدم لنا تحقيقا لكتابه السعادة والاسعاد, ودراسة تحليلية له(13) . وكعادته فى اقتحام واكتشاف مناطق مجهولة فى تراثنا يقدم لنا دراسة عن وضعية المرأة عند ابن رشد(14). ذلك الموضوع الذى لم يهتم به احدا من قبل , ويعالج فى ثنايا البحث قضية : ابداعية ابن رشد لا اتباعيته , ونرى فى هذا البحث ابن رشد الذى لا يعارض امامة المرأة ولا توليها للرئاسة , و هو فى هذا البحث يريد ان يقنعنا انه يكتفى بتسليط الضوء للكشف عن وضعية المرأة عند ابن رشد باعتبار ان اللحظة الراهنة فى عالمنا المعاصر يطرح فيها موضوع المرأة بشدة على الساحة الاجتماعية , بل والاخطر انها لم تعد مجرد قضية بل اصبحت نزعة شاملة هى النزعة النسوية , والتى شكلت احدث فلسفة وهى الفلسفة النسوية , ويعد هذا البحث مشاركة فى ركب اللحظة الراهنة , لكننى اراه تعدى تسليط الضوء والبحث الاستطلاعى لبحث تحليلى عن رأى ابن رشد فى المرأة , لانه ببساطة قادر على ذلك من خلال دراسته عن الاخلاق عند ابن رشد ودراسة علاقة السياسى بالاخلاقى(15), والذى قام فيها بنشر نصوص ابن رشد و ترجمات ليبرمان تحوى مقتطفات الاصل العربى المفقود لشرح ابن رشد الوسيط للاخلاق النيقوماخية واثر ذلك فى الادب العبرى القديم . ويحتوى العمل كثير من القضايا الجديرة بالمناقشة والحوار , علينا التوقف امامها , الا اننا لا نريد ان نقطع السياق الذى نحن بصدده .اننا اثناء بحث الاستاذ فى العصر العربى الاسلامى لا ننسى اننا امام استاذ فى الفلسفة الحديثة والمعاصرة وهذا يبرر انشغاله باللحظة الراهنة اثناء بحثه فى ذلك التراث . وينتقل الاستاذ عطية للبحث عن الاخلاق فى الفلسفة الحديثة عند ابو الفلسفة الحديثة ديكارت فى دراسته الاخلاق الديكارتيه(16) وهى ليس دراسه لعرض الاخلاق الديكارتيه , بل هى دراسه اشكاليه حيث تطرح الدراسة هذا التساؤل هل لدى ديكارت فلسفة اخلاق اصلا ؟ ذلك ما يراهن عليه الاستاذ من خلال تحليل مبتكر للاخلاق المؤقته عند ديكارت ومكانة علم الاخلاق عنده كقمة للعلوم واخيرا يعامل ديكارت لا باعتباره فيلسوفا عقلانيا بل باعتباره فيلسوفا اراديا وجوديا حين يتحث عن التحليل الديكارتى للانفعالات والسيطرة عليها, كما قلنا يهتم الاستاذ بالمناطق المجهولة فى الأخلاق الحديثة , والحقيقة ان هناك جانبين هامين لم يجدا الاهتمام الكافى من الباحثين لدى ابو الفلسفة الحديثة هما السياسة والاخلاق , ولا يعقل الا يكون لأول فيلسوف فى العصر الحديث أسهام فيهما , والقضية المعالجه هنا فى هذه الدراسة هى الاخلاق الديكارتية كقضية اشكالية . كما ينقب ويحفر الاستاذ عطية ويكتشف محاضرات فى علم الاخلاق بالجامعة المصرية وينشر محاضرات 1918 -1919 عن فلسفة الضمير عند بطلر ومحاضرات عام 1919 -1920 عن كانط للكونت دى جلارزا الاسبانى (17) وهو من الاساتذه الذين قاموا بالتدريس بالجامعة المصرية ويرجع للاستاذ فضل الكشف عن جهوده فى الدرس الفلسفى بمصر وقد ترجمت اعماله عنه الى الاسبانية واقيمت الندوات حولها ,وهذه المحاضرات لها اهميتها الكبرى باعتبارها محاضرات تمت مع بدايه الجامعة المصرية , لابد وانها اثرت فى الاجيال اللاحقة , خاصة لدى الاساتذة الرواد مثل عثمان امين وتوفيق الطويل , وبالتالى اثرت على الفكر الفلسفى العربى المعاصر الذى يهتم به الاستاذ عطيه بشكل كبير وسنتكلم عن هذا الاهتمام لاحقا (18). وكما هى العادة فى البحث عن المناطق المجهولة تاتى دراسة الاخلاق الهيجلية والتى تعد دراسة مقارنة فى بعض نواحيها بين كانط وهيجل كما تعد عرضا للاخلاق الاجتماعية عند هيجل وهى تستخدم منهج تطورى لدراسة افكار هيجل الاخلاقية . و قد جاءت فى سياق ترجمته لكتاب وولش عن الاخلاق الهيجليه الذى اضاف إليه فى طبعته الثانية الفصول التى تناول فيها جورج لوكاش أخلاق هيجل فى كتابه هيجل الشاب (19). حاولت فيما سبق ان اعرض بشكل مقتضب للغاية جهود ودراسات الاستاذ الدكتور عطية فى البحث الاخلاقى التى تبرز الجانب الشمولى والرغبة الموسوعية فى تتبع واحتواء الاخلاق عبر تاريخها , وهنا تظهر تلك النزعة العربية التى تهتم ببيان الأنجاز العربى الأسلامى فى العصور الوسطى وما قام به الفلاسفة والعلماء العرب فى هذه الحقبة ليس من منطق تمجيد الماضى بل بيان الجهد الحضارى العربى الاسلامى , وتوقف د.عطية خاصة عند المناطق البكر للدراسة الاخلاقيه , فهو لا يكرر موضوعات سبق دراستها بل يسعى الى اكتشاف تلك المناطق التى لم يتوقف عندها غيره من الباحثين , الا ان الفكر الاخلاقى عنده انما يعبر فى جوهره عن الاخلاق الفلسفية العربية فى عصر الحداثة الفائقة وما بعدها , وان كانت هذه الروح تسود فى الدراسات التى تناولناها سابقا الا انها لا تتحقق بالشكل الموضوعى المباشر الا من خلال دراسته عن الاخلاق النيتشويه واخلاق ما بعد الحداثة فضلا عن دراسته التحليلية المطوله للاتجاهات الاخلاقية الراهنه فى الفكر العربى المعاصر , وقبل ان اتحدث عن هذه الدراسات وجدت من المفيد الحديث عن السمات الفكرية التى تعبر عن فكر الاستاذ وهى فيما ارى ثلاث : هناك سمة عربية تتمثل فى اهتمامه – غير المعلن - بتأسيس فلسفة عربية معاصرة , وهو ما تقاطع مع نزعة تنويرية حداثية واضحة باعتبار الاستاذ يجيد فن القراءة الشامله – كما تبدو ايضا من اهتمامه بالاخلاق فى الفكر المعاصر بشكل جوهرى تبدوا تلك السمة التنويرية اكثر فى خصيصة يتميز بها الاستاذ هى الثقة بالانسان وبقدرته على تحقيق ما يصبو اليه ويريده وهذا ما نجده نظريا فى كتاباته عن الاخلاق النيتشويه بشكل جوهرى ودراساته الاخرى بشكل عرضى , وعمليا نجده فى دروسه عندما نعلم انه ليس استاذا للفلسفة بشكل مدرسى بل يقدم لطلابه تلك القضايا ذات الطابع الاشكالى , ويطالبهم بان يكونوا على نفس المستوى فى الحوار والنقاش والنقد , ويثق فى ذلك , فهو يهدف الى تعليمهم التفلسف وليس تاريخ الفلسفة . وقد اشرنا لخصيصة بحثه من العقلانية والنقد والوضوح النظرى والبناء المنطقى وهى نزعات تنويريه , اما السمة الثالثة والاهم فهى تلك السمة المنهجية المعاصرة للحفر والتنقيب فى تاريخ الفلسفة وبحث مواضع الندرة التى سكت عنها الخطاب الفلسفى التاريخى , وهذه السمات جميعا تصل بنا الى ما نريد التاكيد عليه هنا و هو انشغاله الدائم باللحظة الراهنة, التى يحاول رصدها من اجل اعادة صياغة و صناعة الواقع واستشراف المستقبل , وكذلك نجد السمة العربية كهوية لديه فهو ينشئ مجالا رحبا واسعا للفلسفة العربية ويقوم بدراسه اعلامها لتبقى وتدوم من خلال هذه الدراسات ,ويتاسس عليه المستقبل فهو يناقش الاخرين ويحاورهم نظريا ان كانوا من جيله, ويقنن تجاربهم ان كانوا من السابقين عليه , وهنا ياتى كتابه عن الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر ليثبت ان مجال الفلسفة العربية المعاصرة مجالا مشروعا للبحث والدراسة فضلا عن كتبه التذكارية عن اعلام الفلسفة العربيةالتى يتناول فى ثناياها جهودهم فى البحث الاخلاقى .


 2 – الأخلاق فى الفكر العربى المعاصر ......نظرة طموحة .


        قليلون هم فى واقعنا الثقافى المعاصر الذين يراهنون على مستقبل مشرق للفلسفة العربية , فوسط اجواء ثقافية مشبعة بالتشاؤم وفقدان الامل والانهزامية يطل علينا الاستاذ عطية بدراسته المطوله عن الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر ليثبت بها ان فقدان الامل والاستسلام للواقع جريمة لا تغتفر فى حق التنوير الحقيقى , وخيرا من ان نلعن الظلام ينبغى علينا ان نضيئ شمعة , وهكذا كانت هذه الدراسة تلك الشمعة , كنموذجا للتنوير الحقيقى الذى لا يعرف اليأس ,فالتنوير رسالة للامل ومراهنة على خلق مستقبل منير , فدعه يعمل , دعه يمر هو شعار التنوير الحقيقى لديه وهو ما نجده عند احمد عبد الحليم عطية فى جهوده العمليه لتاسيس فلسفة اخلاقية عربية . ولا شك ان كثيرا من المثقفون والمفكرون فى عالمنا العربى يتحدثون عن التنوير بشكل غربى تماما منكرين الجهود العربية فى خلق فلسفة خاصة وهو حديث ينتهى بهم الى تشخيص الواقع الظلامى والاستسلام له , او العمل الفردى فى جزر منعزلة لمقاومة قوى الظلامية والتخلف , ولكن لا يقيمون مشروعا تنويريا قائما على تواصل الجهود الفكرية والخبرات الفلسفية العربية لان مثل هذا يتطلب قدرا كبيرا من التسامح ونكران الذات , ف"الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر " قائم على مبدأ التواصل ؛ وتأسيس جهد على جهد اخر, ونحن تعلمنا فى عالمنا العربى العمل الفردى لا الجماعى , فالتواصل يتطلب قدرا من التسامح ونكران الذات لا نجده عند هؤلاء المثقفين الذين يتشدقون بالتنوير ككلمة لا كفعل ومشروع واقعى . ويحاولون ان يبدوا ان لهم السبق فى بذر البذور الاولى لفكر عربى ولا يعترفون بالاخرين من جيلهم او اجيال سابقة عليهم . وبرغم كل ما يقال من دعوات متشدقة عن عدم وجود فلسفة عربية , وانها مجرد فكر لا يرقى لكونه فلسفة , وهذا ما هو الا فقدان الثقة فى انفسنا , الذى عمقته التبعية والمركزية الاوربية والاستعمار , ففى الغرب يهتمون بصناعة نجوم للفلسفة والفكر اما عندنا فنهتم بوءد اى مفكر تعلو هامته ولو قليلا من باب عدم الثقة بالنفس , يختفى ذلك الشعور مع الاستاذ عطية لاسيما فى كتابه المذكور بالاضافة إلى كتبه الجماعية عن أعلام الفكر العربى المعاصر فى المشرق والمغرب بالاضافة الى مصر , فتراه يهتم ببيان عدد من التجارب الفلسفية الاصيلة لمفكرين عرب بل يتناول دراسات جادة عن فلسفاتهم . والكتاب الذى نحن بصدده يحلل جهود عدد من الاسماء العربية فى مجال الاخلاق والاتجاهات الاخلاقية فى تسع فصول . يتناول فى اولها تيار الاخلاق اليونانية كما بدا عند أحمد لطفى السيد , واسماعيل مظهر , ونجيب بلدى, واذا كان محور عمل لطفى السيد فى دراسته الاخلاقية هو ارسطو باعتباره الاصل للفلسفة العربية فى العصر الوسيط , الذى يطمح لطفى السيد لان يقدم لها امتدادا معاصرا فان عمل اسماعيل مظهر هو مقابل لعمل لطفى السيد على الاتجاه المعاكس لفلسفة ارسطو كما يتضح فى تناوله لفلسفة اللذة والالم عند القورينائيون , و لقد اهتم المغاربه كثيرا بنجيب بلدى الذى قدم فى كتابه مراحل التفكير الاخلاقى محاولة اخلاقية تتميز بالابداع والاصاله وليس مجرد تأريخا بمعنى الكلمة . فاذا كنا نعرف لطفى السيد كسياسى ليبرالى بارز ومن اعلام الجامعة المصرية والمعبرين عن استقلالها فان الاستاذ عطية ارانا منه جانبا اخر هو الفكر الاخلاقى لديه ومن هنا تنبع اهمية دراسة الاستاذ عنه , كما ان كشفه عن جهود اسماعيل مظهر ونجيب بلدى يعد بالعمل المحمود للاستاذ . ويتناول الفصل الثانى باكمله من الكتاب الدراسات الحديثة للاخلاق عن أحمد أمين والذى يقول عنه الاستاذ " اذا كنا نتفق مع طه حسين فى قوله ان أحمد أمين صورة صادقة لوطنه الخالد ,فانه يمكننا ان نقول ان كتابه الاخلاق مرآة لثقافة أحمد أمين بمختلف فروعها وروافدها التى هى نفس الصورة للثقافة فى مصر فى هذه الفترة " (20) ثم ياتى الفصل الثالث ليتناول فيه الاستاذ تيار الاخلاق الاجتماعية كما ظهرت عند كل من منصور فهمى , و عبد العزيز عزت , والسيد محمد بدوى , وقبارى اسماعيل , ولقد كانت هذه الاسماء بمثابه صدمة لى - وارجو ان لا يكون حالكم مثلى - فانا لا اعرف من هم هؤلاء . ولكنى علمت ان منصور فهمى من أوائل من قام بتدريس الاخلاق فى الجامعة المصرية , وانه من النادر وجود دراسات عنه رغم اهميته كرائد لدعوة الاخلاق الاجتماعية فى الفكر الاخلاقى المعاصر تابعه رعيل ثانى تمثل فى اساتذة الاجتماع الثلاث ابتداء بعبد العزيز عزت وانتهاء بقبارى اسماعيل . وياتى الفصل الرابع للكتاب للتيار الاخلاقى الوجودى فنرى دراسة متميزة عن عبد الرحمن بدوى , ولا ننسى ان الاستاذ عطيه قد حرر كتابا تذكاريا عن بدوى بعنوان طبع عدة طبعات , كما له دراسة بها نصوص مثيرة وجديدة عن بدوى وثورة يوليو الا انى لن اتطرق اليها لانها فى السياسة وموضوعى هو الاخلاق . ثم يتابع الاخلاق الوجودية عند ما سمى بالاخلاق المشخصة لدى المفكر السورى عادل العوا, وينتهى الفصل مع زكريا ابراهيم واخلاقه الوجودية المبدعة فى زمان وعصر ساده الفكر الاشتراكي , والاستاذ زكريا ابراهيم من اكثر من تأثر بهم الدكتور عطيه . ثم ينتقل الكتاب فى فصله الخامس لدراسة الاخلاق الوضعية عند الدكتور زكى نجيب محمود بعنوان " الاخلاق والقيم بين الوضعية المنطقية والمدرسة الانفعالية " وقد شارك الدكتور عطية بهذه الدراسة فى كتاب تذكارى عن زكى نجيب محمود صدر 1995 فى القاهرة عن المجلس الاعلى للثقافة , وهى دراسة كبيرة كما وهامة كيفا . الفصل السادس للاخلاق العقلية عند توفيق الطويل , وهو من أكثر الاساتذة تاثيرا فى الاستاذ عطيه على المستوى الروحى والعلمى, وهو رائد للفلسفة الاخلاقية فى العالم العربى المعاصر . ثم تاتى "الاخلاق القومية فى فلسفة زكى الارسوزى الاخلاقيه فى الفصل السابع " يليه فصل عن الاخلاق الفلسفية الاسلامية يتناول : – جهود محمد يوسف موسى فى فلسفة الاخلاق فى الاسلام وصلتها بالفلسفة الاغريقية – أحمد صبحى ونسق للفلسفة الأخلاقية فى الفكر الاسلامى متميز عن النسق الارسطى – تحديد ماجد فخرى لمعالم الفكر الاخلاقى العربى وبيان مراحله – سحبان خليفات ومعالم التفكير الاخلاقى -بيان ناجى التكريتى "للفلسفة الاخلاقية الافلاطونية عند مفكرى الاسلام " – عبد الحى قابيل فى "المذاهب الاخلاقية فى الاسلام "-السعى لتوسيع دائرة المنابع أو المصادر التى يستقى منها الدارسون عناصر "الفكر الأخلاقى فى الاسلام " – الربط بين العقيدة والاخلاق كما لدى أساتذة أصول الدين " (21) اظن من هذه العناوين يتضح كم هى دقيقة محاوله الاستاذ لاكتناه اى فكر عربى أخلاقى . وقد خصص الفصل الاخير للاخلاق القرآنية وخصوصا لدى العديد من اساتذة وخريجى دار العلوم والازهر , فالاستاذ أحمد عبد الحليم عطية يمد مجال الفلسفة الاخلاقية ولا يقصره على القلائل ,بل يقراء فى اى جهد أخلاقى ربما ينكره البعض كفكر فلسفى بالمعنى الدقيق ويصفونه بالفكر الدينى , ويحرمونا من التواصل العلمى , فهنا نرى الاستاذ يؤسس لأخلاقيات حوار علمى عربى فى سلوكه هذا الذى لا ينكر الفكر الدينى الاخلاقى .

 3 – الأخلاق النيتشويه .... النظرة الراهنة .

 ان الاهتمام باللحظة الاخلاقيه الراهنه هو الشاغل الرئيسى للاستاذ , ولما كان الاستاذ يؤمن بأن نيتشه هو جدل اليوم " لقد استقطبت فلسفة نيتشة الجدل الجارى اليوم بين الفلاسفة المعاصرين " (22), وهو الفيلسوف الذى رأى ان تاريخ الفلسفة السابقة عليه هو تاريخ للاخلاق" لقد كان نيتشه الذى ينعت نفسه باللااخلاقين هو الاخلاقى الاول فى تاسيسه للبحث فى القيم وجعلها المشكلة الفلسفية الاساسية" ( المصدر السابق ص162 ) , وهو – اى نيتشه – الفيلسوف الأخلاقى بالالف واللام فيما يرى الاستاذ عطية .ولقد كانت دراسته عن نيتشه أساسية فى التعبير عن توجهاته . · طرح الاستاذ لقضية المنهج الجينالوجى النتشوى : ويعتقد البعض ان تناول نيتشه لابد وان يكون تناول جمالى ذاتى يحاكى من خلاله فكر الفيلسوف ,لكن الاستاذ عطية يتناول نيتشه تناولا موضوعيا الا انه يحاكى فكر الفيلسوف باعتبار ان تناول الاستاذ تناول جميل وان كان موضوعيا , فعلم جمال العلم ينبئنا بان مبادئ جمال النص العلمى هى الاقتصاد اى التعبير عن افكار متعددة فى كلمات قليلة وهذا ما فعله الدكتور عطيه فى دراسته عن نيتشة فجاءت الدراسة شكلا فى اربعون صفحة الا انها موضوعا هى عدة كتب ضخمة بالعناوين التالية : نيتشه والفكر الفلسفى المعاصر – نيتشه والنظرية العامة للقيمه – كتابات نيتشه فى القيم – القيم وارادة القوة – الجينالوجيا . ويمكن ان اضيف عناوين أخرى كالتحليل التفصيلى لمعظم كتب نيتشه ان لم يكن كلها , القراءة المعاصرة لنيتشه و قراءات نيتشه المختلفه , ديلوز قارئا لنيتشه , فوكو ونيتشه . هذا من جانب ومن جانب اخر يحاكى الاستاذ نيتشه قائلا : "ويقتضى الامر ....ان نقف وقفه نتشويه مع نيتشه الذى لم يفكر قط كما يقول البير كامى " الا تبعا لرؤية دمار كلى مقبل – لعلنا نشعر بها – والعبارة الاخيرة من عند د.عطية . وذلك لا ليشيد بها ,بل ليتجنبها ويحولها الى نهضة وانبعاث" و الامر لا يتعلق كما يتبادر للذهن لاول وهلة ان نكون مع او ضد نيتشه , فقد نصحنا هو الا نتبع خطواته , بل يتعلق الامر بالدور الذى نهض به فى النظر للميتافيزيقا الغربية بشكل عام فى اعادة طرحه لمشكلة حقيقة القيمة اكثر من اهتمامه بقيمة الحقيقة " (ص 159-160 ) ومن هنا يطرح الدكتور عطية قضيه منهج نيتشه الجينولوجى ويركز عليه تركيزا خاصا باعتبارة منهج يطرح مشكلة حقيقة القيمة كتب معرفا بالمنهج الجينالوجى " طريقة تتبابع مراحل نشأتها- القيم – وتطور دلالتها , لا من حيث تسلسلها المنطقى والعقلانى بل اعتمادا على مسلمة رئيسية مفادها ان القيم الاخلاقية والمعانى والافكار ليست لها اصول ثابته وشفافة ومتعالية توجد خارج المحيط الانسانى , وان ما يكمن وراء انتاجها وتطويرها فى جميع العصور هو شروط واقعية ووجودية ترتبط بمصالح الحياة " (ص 161 ) وهذا من ناحية اسلوب الجينالوجيا اما عن فكرتها فيقول " وتتلخص الفكرة الاساسية للجينالوجيا عند نيتشه فى كتابه " ارادة القوة " بان جميع الظواهر عبارة عن تأويلات , ولا توجد هناك , على الاطلاق اية ظاهرة فى حد ذاتها , وقياسا على هذا المنظور الجديد تصير جميع الافكار والحقائق والقيم الاخلاقية مجرد نواتج لتأويلات الفلاسفة " ( فالجينالوجيا وان كانت تتبع منهج تطورى تاريخى فهى ليست تاريخا بل هى انعاسات لارادات قوة متفاضلة كما يقول الاستاذ متابعا فى ذلك بنعبد العال " ان الجينالوجيا ليست تاريخا واقعيا يفصل عالم القيم عن الواقع انما هى تحاول ان تربط معانى الواقع بالمنظورات او التطلعات التى تعطيها قيمة وهى تدرك تلك التطلعات من حيث هى ارادات قوة متفاضلة فيما يقول بنعبد العال فى اسس الفكر المعاصر " ويشير الاستاذ الى ان هذا المنهج – المنهج الجينالوجى هو أكثر ما بقى من نيتشه حيا معاصرا , اذ تابعه ميشيل فوكو ودريدا ورورتى وغيرهم الكثيرون من فلاسفة ما بعد الحداثة , بل ان منهج نيتشه الجينالوجى هو المنهج التأسيسى لحركة ما بعد الحداثة كلها , وخصوصا فى عملهم الذى يستهدف - على حد تعبير نيتشه - هدم الاوثان . · نيتشه وتعدد قراءاته: يتناول الاستاذ عطية بالرصد والتحليل القراءات المختلفة المتنوعة لفلسفة نيتشه فضلا عن القراءات العربيه له . حدد تلك القراءات كالاتى : 1 – القراءة الوجودية : التى ترى ان فلسفة نيتشه , فلسفة مشدودة كالوتر بين مؤيدها ونقادها , مثلما كانت بالامس القريب مصدر اهتمام فلاسفة الوجودية ياسبرز وهيدجر "( ص 134 ), و يرى الدكتور عطية انها ذو طابع استلهامى فهيدجر كان نيتشويا فى مرحلة ما من حياته . 2 – القراءة الماركسية : وهى قراءات ذات طابع نقدى رافض لموقف نيتشه السياسى " كما كانت اى فلسفة نيتشه فى الوقت نفسه موضع نقد فى كتابات الماركسيين , ونجد تلك القراءة عند لوكاش فى " تحطيم العقل" حيث يرى "ان المركز الذى تنتظم حوله افكار نيتشه هو الهجوم على الاشتراكية ", وستبان اوديف " الذى يرى فى كتابه "على درب زارادشت" ان نيتشه ضد الاشتراكية " وغيرها , وهى قراءة تجزء نيتشه وتحصره فى اطار اراءه السياسية . 3 – القراءة الفوكوية المرتكزة على مفهوم القوة النتشوى : " فالقوة عند فوكو كالقوة عند نيتشه لا تختزل فى علاقة عنف " (ص 133 ) , وقد ركزت هذه القراءة ايضا على مفهوم علاقة الحياة بالخلق والابداع . 4 – القراءة العقلانية النقدية المرتكزة على رفض نيتشه للنزعة العقلانية : وهى حاضرة بشدة عند هابرماس وجانى فاتيمو فى " نهاية الحداثه الفلسفات العدمية والتفسيرية فى ثقافة ما بعد الحداثة " حيث يرى هابرماس فيما يقول الدكتور عطية ان الشكل الضمنى لفلسفة نيتشه ابتعد عن البرهنة وبالتالى فسح المجال امام شتى التأويلات الغير عقلية(ص 134). 5 – القراءة التحليلية عند فريدريك اولفاسون يقول" بالنسبة لنا اذا استعرضنا الفلسفة التحليلية المعاصرة فاننا نجد نيتشه ليس فقط باعث ثورة على الاخلاق بل فى الميتا-اخلاق "( ص 144 ) . ويتابع الدكتور عطية كل من ديلوزالذى يرى فيه انه من الذين استوعبوا نيتشه وقدموا عنه دراسات عديدة , كما يتابع كارل لوفيت . اما اذا انتقلنا للقراءات العربية لفلسفة نيتشة فيرصد لنا عطية جهود فرح انطون الذى لم يحذف من كتابات نيتشه المسائل الدينية , وسلامة موسى الذى اهتم بالسوبرمان , و نقد الدكتور اسماعيل ادهم على هكذا تكلم زاردشت من منظور نقدى ودينى , حيث يرى من خلال نيتشه ان الدين عدا انسانيا ,ولاينسى مرقس فرج بشارة , اول كتاب يصدر عنه بالعربية , وتحليلات يوحنا قمير . ثم عبد الرحمن بدوى الذى تابع القراءة الوجودية لنيتشه (23), وكان لنيتشه بدوى تاثير على ثورة يوليو فى مصر يرصده الاستاذ عطية من خلال كتابه عن بدوى , ثم فؤاد زكريا وسعاد حرب . وفى كل هذا لا ينسى الاستاذ ان يرصد الخط الواصل بين نيتشه و القراءة الهيدجرية الوجودية له و قراءة فلاسفة ما بعد الحداثة فوكو وديلوز ودريدا . · ارادة القوة.. ارادة قلب القيم ينزع الاستاذ اولا السمعة السيئة لمفهوم ارادة القوة عند نيتشه متابعا اميل برييه فى قوله : " ليس صحيحا ان ارادة القوة لدى نيتشه عنوان للقوة الوحشية والمدمرة , فتأملات نيتشه الاخيرة كشفت له على ما يبدو ,على العكس من ذلك ,ان غزارة الحياه تتجلى فى اختيار وتنظيم دقيق للعناصر التى تسيطر عليها " ( ص 158 ) و يتضح ذلك اكثر بقول لافيل " الحق ان نفى نيتشه القيم الذائعة لا يستقيم الا بتوافر شروط الاعتراف بوجود قيم صحيحة "(ص 157 ) . ثم يؤكد الربط بين ارادة القوة و قلب القيم " وارادة القوة هى حقيقة فلسفة نيتشه ,ان مصدر قلب القيم ليس التأمل والتحليل بل محض اثبات القوة "وذلك بعد تحليله الدقيق للكتاب , ويبرز التحليل فى ايضاحة للبنية الرباعية لكتاب ارادة القوة الذى ينقسم لاربع كتب : "الكتاب الاول العدمية ويتناول العدمية وتاريخ العدمية الاوربيه والثانى نقد القيم العليا الحالية ويتكون من اقسام ثلاثة هى :نقد الدين ,نقد الاخلاق ,نقد الفلسفة,ويقدم الكتاب الثالث مبادئ التقييم الجديد .فى اربعة مجالات : ارادة القوة كمعرفة ,ارادة القوة فى الطبيعة ,ارادة القوة كمجتمع وكفرد وارادة القوة باعتبارها فنا والكتاب الرابع التاديب والتهذيب ويتكون من اقسام ثلاثة هى :نظام التراتب ,وديونيسوس , والعود الابدى "وغاية ما يطرحه علينا ذلك الكتاب " ان الوجود ليس الا الحياة , وليست الحياة الا ارادة وليست الارادة الا ارادة القوة " ويقول ايضا مع كريستيان ديكام " ارادة القوة ,ارادة ( النعم واللا) وشروط امكانية الحياة , هى القيم " ( ص158) . ويحدد لنا الاستاذ " المقصود باللا اخلاقى وهى العبارة الصادمة لنيتشة , على انه يقف خارج هذه الاخلاق السائدة أخلاق العبيد والضعف بمعزل عن الخير والشر المتعارف عليه" (ص 146 ) . · نيتشة وتعدد الاخلاقيات : رغم ما هو معروف عن نيتشه من قول بنوعين من للاخلاق هما أخلاق السادة ( القوة ) وأخلاق العبيد ( الضعف ) الا ان تحليلات د. عطية توضح معنى أ خلاق السادة والعبيد عن نيتشه وتناوبهما فى تاريخ البشرية ووجود انواع أخرى غير هذه الاخلاق السائدة يقول " روما ضد يهودا وياهودا ضد روما .... حيث خص روما بالقوة لمعرفة اى اخلاق تسود الان و ما ان انتصرت اخلاق القوة حتى ظهر الحقد اليهودى وان عادت قيم السيادة والقوة والنبل فى عصر النهضة , لكن سرعان ما انتصرت ياهودا من جديد بفضل حركة الاصلاح ومع الثورة الفرنسية حين تهاوت اخر مقاعد النبلاء "(24). يرى الاستاذ ان معظم الدراسات الاخلاقية عن نيتشه ترتكز على اخلاق العبيد والقطيع او الاخلاق المسيحية فى مقابلة اخلاق السادة والقوة والنبل , وان كانت هذه النقطة هامة الا انه لا ينبغى الاقتصار عليها , فالاخلاق عند نيتشه ثلاث : اخلاق سلبية متمثلة فى رفضه للاخلاق السائده , اخلاق السادة والعبيد , الاخلاق النفسية و الميتا – اخلاق . ان نيتشه يعد فى رأى الاستاذ من رواد الميتا – اخلاق , كما اهتم بأخلاق نفسية , ويتضح ذلك من خلال تأثره ببول رى فى كتاباته(25) واعتقاده فى ضرورة البحث عن اصل الاحاسيس الاخلاقية . والاخلاق النفسية عند نيتشه ترتكز على"ان الانانية مقولة اساسية فى أخلاقه"(26). فالاخلاق النيتشويه تشكل مذهبا للاحساسات الاخلاقية ,وهو ما ينبهنا له الدكتور عطية , وخلاصة هذا المذهب تتمثل فى" ان الاخلاق كما فهمت حتى الان وكما قدمها شوبنهور هى نفى ارادة الحياة لذلك يطالبنا نيتشه بتاكيد للحياه " (27). يعد هذا الموقف أحد العناصر الهامة فى الاخلاق النيتشويه , ان لم يكن العنصر الاهم على الاطلاق , فالنقد الاخلاقى – الفلسفى الجذرى الذى قام به نيتشه , وتمثل فى رفضه للاخلاق المثالية كما ظهرت لدى كانط فى "تاسيس ميتافزيقا الاخلاق " ورفضه ايضا للاخلاق المسيحية و اعادة الاعتبار لهذا الموقف فى الدراسات الاخلاقية عن نيتشه هو الدور الذى قام به الاستاذ الدكتور عطية. وهذا ما يطرح التساؤل التالى هل نيتشه فى رفضه للاخلاق السائدة قدم ثورة شاملة عليها ,ورفض قاطع لها, ام انه قدم اصلاح لها , وتعديل لمسارها . " فلسفة نيتشه باكملها هى محاولةمن اجل اعادة تقييم القيم او قلب القيم "(ص132 ), "المعادلة الاساسية "الوجود = القيمة انما تشكل العنصر النوعى فى فلسفته ولا يمكننا حذفه دون ان نحذف نيتشه بكامله معه ", " لقد سعى نيتشه الى خلق مشكلة القيم والتقويم وهو الذى وجه الفلاسفة الى تاسيس الاكسيولوجيا . هذه الاستشهادات من اوجين فنك وجيل دولوز توضح المكانه الفريدة لنيتشه فى مجال الاخلاق , على عكس ما يظن البعض . تعد ارهاصا لخلاصة ما ذهب اليه الاستاذ عن نيتشه والقيم والاخلاق "والحقيقة ان الباحث المتعمق لفلسفة نيتشه الاخلاقية يدرك ان قضية نيتشه وتفكيره يتجاوز ما طرحه من تساؤلات وافتراضات حول اصل الاخلاق لقد كان انشغاله وتفكيره يتعلق بقيمة الاخلاق " (ص 150 ) . 

4 - اخلاق العصر الراهن ..... النظرة الفاحصة . 

· نيتشويه العصر : يبدأ الاستاذ عطية دراسته عن " الاخلاق فى عصر ما بعد الحداثة " متابعا لجاكلين روس فى كتابها" الفكر الاخلاقى المعاصر" , بالحديث الموضوعى عن سياق العصر الراهن, فهو يقدم دراسة شاملة عن الخصائص الفلسفية العامة للعصر الذى نحيا فيه , عصر ما بعد الحداثة , وفى ايجاز شديد نرى الاستاذ يغطى مساحة فكرية كبيرة , اذ يرصد و يحلل هذه الخصائص وهى:" افلاس المعنى والفراغ الاخلاقى المعاصر" : يشير الى "تلاشى الاسس المعتادة الانطولوجية والدينية" ( ص 176 ) التى يمكن ان نؤسس عليها اخلاق نظرية , وهو ما سيرتبط بالطرح الاشكالى الممتد عبر الدراسة كلها عن كيف يمكن تأسيس اخلاق نظرية فى عصر يمتلك تلك الخصائص الصعبة , كما يشير الى ازمة الحقوق ومفهوم العدالة فى سياق العصر , ولابد اذا ذكر الفراغ و المعنى ان تذكر عدمية نيتشه فها هو الاستاذ يهتم دائما برصد تأثير ذلك الفيلسوف على العصر الراهن , وعدمية عصرنا تختلف عن عدمية نيتشه كما يشير الى ذلك الاستاذ مستشهدا بقول هانز يوناس " اننا نرتعد الآن فى عراء عدمية تتزاوج فيها اكبر قدراتنا مع الفراغ الذى نحيا فيه "(ص 176 ). ثم يتحدث عن : "غياب المنظومات الكبرى وموت الايدلوجيات" كما يذكر ليوتارد اى "ابعاد المذاهب والمنظومات الاحادية التى ظلت سائدة طويلا", واختفاء الحكايات الكبرى يظهر بعدا اساسيا اخر من هذه " العدمية الشاملة بوصفها عصر"–على حد تعبير الاستاذ – فهو يقول واصفا عصرنا " انتهت فيه الغايات وتلاشت القيم العليا"(ص 177) , ويقف الاستاذ على مفهوم الحكايات الكبرى عند ليوتار مفسرا اياه بان " مذاهب القرن الثامن عشر المرتبطة بتحرير المواطن وفكرة التنوير كانت تعمد الى ان التاريخ البشرى يسير وفق غاية عقلية اكدها هيجل فى تصوره لتطور الوعى فى العالم , و الماركسية فى تصور عالم لا طبقى يعيش فيه الجميع " وهو يشير لاثر ذلك على الاخلاق فيرى ان انقلاب الايديولوجيات هو اصل اعادة تنظيم مبادئ الاخلاق النظرية و الوهم الكامن فى كل مشروع شامل عن المجتمع. وثالثا : " سيادة الفردية " فهو يقول " تظهر الفردية بشكل سافر"ويتحدث عن الفردية فى اطار شكل اخر مختلف لها عن تلك الفردية فى مرحلتها الاولى التى كانت " فردية فتية تعتز بالفرد مقابل كل السلطات وتعتز بقدرته اللامحدودة على تحقيق غاياته فى بناء المجتمع فهى نوع من ارادة القوة – حضور نيتشه عند الاستاذ دائما - يتحرر فيها الفرد من قيد المجتمع سواء الدولة او الكنيسة " (ص 178 ),وهو يتتبع تطور الفردية من هذا الشكل كما بدت فى عصر الحداثة والتنوير الى ان وصلت الان لشكل مختلف "لافراد متمردين على كل الانظمة والقواعد وشتى الالتزامات,تعبر- الفردية - عن الرغبة فى المتعة اللانهائية , المتع النرجسية , انها تعبر عن قيم الاستمتاع ,الاباحيات ,الخصائص المزاجية الجامحة "ومن هنا يصل الاستاذ لطرح ذلك التساؤل ما الذى يستطيع ان يكون مصدر قبول كلى فى مجتماعاتنا المعاصرة المتقدمة ؟ وخاصة ان علمنا ان هدف اى اخلاق هو " الانتقال من المبعثر والجزئى والذاتى الى الامر الكلى "(ص 179 ) . ويعرض رابعا : ل" تطور العلم والتكنولوجيا " العلم الذى كان مصدر تقدم الانسان ورفاهيته وامنه " كما يرى الاستاذ صار اليوم غاية الخطورة , فالانسان " ينزع للتجريب والتجديد لا فى الطبيعة الخارجية فقط بل فى الكيان الانسانى ( الهندسة الوراثية – الاستنساخ ) "ويستشهد الدكتور بكارل اوتو ابل فى كتابه" الاخلاق فى عصر العلم " , " ان العلم والتقنية يقودان فى الواقع الى توحيد المجتمع المعولم , كما يقودان الى حاجة اكبر للمسئولية , فقد بلغت النتائج التكنولوجيه للعلم مدى عالميا وهى تطالب ببعث اخلاقى وليس فى وسع اى اخلاق خاصة ناجمة عن جماعة اجتماعية محددة ان تنظم مسائل بمثل هذا الاتساع " فتقدم القدرة التكنولوجية للانسان يفجر الاحساس بالمسئولية , الذى يبرر الدعوة لتأسيس أخلاق عصرية . ونلاحظ ملحوظتان على ما فات اولا: حضور نيتشه الدائم عند الاستاذ كمرادف للراهن مما يدعم قولنا بان دراسته عن الاخلاق النيتشوية دراسة تأسيسية تهتم بالراهن . ثانيا : حضور الطرح الاشكالى حول تأسيس أخلاق معاصرة فى تحليله لعصرنا وتبيان مدى صعوبة ذلك ومدى اهميته فى ان واحد . فهو يرى ان "الاخلاق ضرورية واشكالية معا", كما يرى مع جاكلين روس ان " القيم هى الهدف الاقصى لحماية المجتمعات الديمقراطية الحديثة "(ص 173 ) وان لم تكن الاخلاق ضرورية فى عصرنا, هذا فما الذى يفسر ازدياد الطلب الاخلاقى " فهو يبدوا انه ينمو نموا لا محددا فكل يوم نجد قطاعا جديدا من قطاعات الحياة ينفتح امام الواجب " ( الموضع نفسه ), ان "مهمة التأسيس اصعب غرض لعصرنا" كيف نرقى اذن لنبلغ فكرة التأسيس الاخلاقى النظرى ؟ ان الهوة بين الطلب الاخلاقى النظرى الملح والعمل التاسيسى الحقيقى لهذه الاخلاق, هى المفارقة" (ص 174 ) · كانطية الأخلاق : التاكيد عن التعبير عن الاخلاق هنا بكلمة الواجب هو الحدس الجوهرى لهذه الدراسة ككل , فالاخلاق اليوم كما يرى الاستاذ اصبحت علم الواجبات حيث اختلطت بعلم القواعد , ولم تعد البحث فى جملة القواعد السلوكية المتعلقة بثقافة معينة او مجتمع ما , والاخلاق من حيث هى ذلك ومن حيث هى علم واجبات هى الاخلاق الكانطية,بالالف والام . ان الاستاذ هنا يقدم الارهاص لدراسته كانط وما بعد الحداثة , التى تعد فتحا جديدا فى مجال دراسة فلسفة ما بعد الحداثة , فالقراءة المعتمدة لما بعد الحداثة هى قراءة نيتشه ونقديته الجذرية ذو التأويل الوجودى , فى حين يبدوا كانط كأصل من أصول ما بعد الحداثة , قراءة انقلابية , حيث نيتشه ونقديته الجذرية هى المقابل الموضوعى -وان شئت قل العدو المكمل- لكانط ونقديته العقليه , فكيف اجتمع فى عصر ما بعد الحداثة كانط ونيتشه . وعلى طريقة المدونات الاخلاقية فى العرض نقول يقدم لنا الدكتور عطية المبادئ العشرة للفكر الاخلاقى المعاصر ,اولها مميز من حيث هو مبدأ شهد تقهقرا جزئيا فى الفترة الاخير وهو مبدأ الفاعل الحر المستقل و اخرها مبدأ مميز باعتبارة مبدأ جديد يتميز به عصرنا اما الثمانى مبادئ الاخرى فهى مبادئ تقليدية حيث " لا يمكن ان توجد قطيعة بين الاخلاق المعاصرة وبين اصولها "(ص 183 ) فى الاخلاق النظرية التقليدية . او يمكن ان نردد مع الاستاذ عطيه ان" ذاكرة التقاليد تنصهر فى مغامرة الاخلاق النظرية الجديدة "(ص 190 ) . فاذا عدنا لكلاسيكيات الفكر عن فاعل حر مستقل ضرورى للمسئولية الاخلاقية , فيقول الدكتور عطية :" الفاعل المستقل استقلالا ذاتيا والمسئول الذى يحدد لنفسه بنفسه قوانينه الخاصة دون الرجوع الى سلطة خارجية , مسئول عن ذاته وافعاله كل المسئوليه بوصفه حرا " (ص 181) هل لهذا الفاعل فى عصرنا وجود ؟ وهل للسلطة الخارجية او احيانا الداخلية المستمدة من الخارج كما يوضح لنا فوكو حدود او قيود او نهاية ؟ ان الكل يتحدث عن السلطة والتسلط فى عصرنا هذا بكل الاشكال. فهل يجوز ان نتحدث عن مبادئ للاخلاق المعاصرة دون الحديث عن تلك الظاهرة وهى استلاب حرية الفرد وطمس وجوده لصالح السلطة,والاستاذ عطية يطرح علينا تلك الاشكاليات يحدثنا عن ان الفاعل الحر المستقل هو المبدأ الاخلاقى الذى دافع عنه الثلاثى التنويرى الهام فى تاريخ الفلسفة , باعتباره اساسا لاى اخلاق , ديكارت وكانط وسارتر , والدكتور عطية يوضح ذلك ويطرح علينا تلك الاشكاليات قد قدم دراسة مستقلة عن الاخلاق الديكارتية وهو يؤكد هنا حديثه عن "الكرم بوصفه عاطفة السلوك الحر عن طريق الارادة عند ديكارت" ( الموضع السابق ) , واعتقد اننا نرى هذا المبدأ واضحا غاية الوضوح فى وجودية سارتر , اما التأسيس لهذا المبدأ فكان لكانط . فيرى الدكتور احمد انه " عند كانط الارادة تهب نفسها قانونها , فالقانون الاخلاقى لا ياتى من سلطة خارجية بل من الانسان نفسه ,الذى يعد موطنا وملكا فى مملكة العقلاء ,وهو مصدر السلوك الاخلاقى ,فالقانون الذى تخضع له الارادة الاخلاقية يصدر عن الارادة نفسها "( الموضع نفسه ) , ويجيب الدكتور على سبب نسبيا للتقهقر لهذا المبدأ الاخلاقى هو صعود نجم البنيوية فيقول "غابت الذات وظهر النسق والبنية وتحدث فلاسفة ما بعد الحداثة عن موت الانسان ان غياب الذات الانسانية ,الفاعل الاخلاقى فى اطار الفلسفة البنيوية وما بعد البنيوية يشكل عاملا مقوما للاخلاق النظرية المعاصرة فبينما تميل فلسفة الفاعل الى تعريف الانسان بانه فرد حر مسئول مانحا الاشياء المعنى تؤكد البنيوية على النماذج المجردة واولوية البنية بالنسبة للفاعل المسئول وبدلا من ان يكون الوعى والفاعل واهبى المعنى والمعقولية نجد ان القواعد والمنظومات والعلاقات هى التى تقدم النسق الحقيقى حيث يختفى الفاعلون"(ص 182 ) . يبدو التقهقر جزئيا ومحدود عند ميشيل فوكو حيث اهتم بالفاعل بوصفه علاقة ناجزة مع الذات فى التحليل الجينالوجى للاخلاق فى كتابه الاهتمام بالذات وهو ما عاد ليؤكده من جديد جيل ديلوزفى الاختلاف والتكرار فهو يقدم " رؤية عن الواقع بوصفها حقلا خلو من الفاعل ومن الفردية الشخصية " (ص 182 ) كما يرى الاستاذ فهو يرى ان الفكر المعاصر يحملنا نحو عالم طرد منه الفاعل . اما اذا انتقلنا للمبدأ الجديد الذى يرصده الاستاذ فهو النشاط التواصلى , و مفهوم الاتصال مفهوم حديث يشغل منزلة كبرى فى الفكر المعاصر ويدل فى اطاره العام على معنى عام جدا على ذلك التبادل بالاشارات او الرسائل الذى يجرى بين شخص واخر او بين جماعة واخرى ,والتفكير ايضا اتصال, والنظر العقلى يعود الى مبدأ الاتصال واللغة , ومن هنا ظهر مفهوم العقل التواصلى بوصفه قدرة بين الاشخاص تعمل وفق قواعد حيادية . تعمد الى بديهيات مشتركة فى عصر اصبح فيه وجود المشترك صعبا وسيتتبع الاستاذ ذلك المفهوم عند كل من هابرماس وكارل اوتوابل فى كل من نظريتهم الاخلاقية . يذهب الاستاذ عطية الى ان الاخلاق النظرية فى جوهرها ليست دينية مادامت تسعى وتنتظم وفق صورة العقل وعلى ضوء المنطق الا انه على الرغم من ذلك فان تاؤيل المعنى الدينى ,قد يندمج فى اخلاق نظرية , ويقدم المبدأ الالهى موضوعات مركزية للتفكير فى مذاهب اخلاقية فاذا كانت " هناك صلات وروابط تجمع الاخلاق بالدين ليس بمعنى اخضاع الاخلاق النظرية لمذهب دينى" و هو يتابع فى ذلك الاساس الكانطى للعلاقة بين الدين والاخلاق النظرية بقوله ان " الدين يقدم معطيات وامثلة للتخلق لكن اساس الاخلاق النظرية ليس دينيا فالعقل العملى مستقل عن كل معرفة دينية "(ص 184 ) و ان كان " ليفيناس ينطلق من التقليد التلمودى والتوراه الا ان عمله كما يخبرنا د. عطية تحليلا فينومينولوجيا فهو لا يقيم الاخلاق على اساس دينى بل على تجربة الاخر على فينومينولوجيا الوجه فالوجه من خلال الشفافية يجاوز كل قدرة بشريه من حيث سموه وتعاليه " , وبعيدا عن ليفيناس يمكننا ان نتساءل أليس المبدأ الدينى يعود للاخلاق العمليه وبشدة كما نجد لدى الدعاة الجددومدعى التنمية بالايمان حيث يقاربوا اخلاق تبدوا وكأنها مستقاه من مبدأ دينى و تلك ظاهرة عالمية وليس ذات نطاق عربى او اسلامى فقط فالصحوة الدينية الجديدة تتخذ فى العالم كله شكل أخلاقى . ان اشكالية علاقة الدين بالاخلاق فى عصرنا هذا تحتاج لنقاش اكبر يدعونا اليه الاستاذ . يتوقف الاستاذ عند الطاقة وقوة العمل والنشاط والحركة المبدعة لتاكيد الحياة فى مبدأ الجهد والقوة عند نيتشه ودولوز . وكذلك عند مبدأ الواقع , مبدأ القسوة كشكل من اشكال الواقع وهو مبدأ صادر عن الالم والشر . ثم يتناول مبدأ المسئولية وهو مبدأ يعود لافلاطون فى الجمهورية حيث يقول " كل انسان مسؤول عن اختياره اما الالهة فلا دخل لها "ومن افلاطون الى يوناس حيث يحاول تضخيم ذلك المبدأ وربطه بالزمن قائلا "مسئوليتنا تتجه الى اعمالنا الماضية التى ينبغى علينا الاضطلاع بها من جهة ثم الى عالمنا القريب كما تتجه نحو المستقبل " ( ص 185 ) فنجد هنا كما يقول الاستاذ " تحول جذرى لنظرية المسئولية عند يوناس فتناول المسئولية فى الزمان وليس فى الابدية وتظهر بوصفها حفاظا على الحياة فى المستقبل"(ص 186 ) . وحين يتناول مبدأ الحرية والمساواة يوضح الاستاذ انه ليس المقصود بالحرية هنا " الحرية الميتافيزيقية بل حرية القدرة على الفعل التى تنطوى على حرية التعبير حرية الاستمتاع بالملكية " فكما يؤكد اسبينوزا ان " العدالة تعتبر المواطنون متساوين وتصون بالتساوى حق كل واحدا منهم " (ص 186 ) وكذلك رسو فى العقد الاجتماعى يؤكد على " فكرة المشاركة المتساوية فى الحقوق الاساسية بفضل تاثير الحياة الاجتماعية والعقد" . ويتابع الاستاذ عودة ذلك المبدأ من جديد مع رولز فى " نظرية العدالة " تم ادماج مبدأ الحرية والمساواة بمبدأ آخر هو مبدأ الاختلاف : "هو المبدأ القائل بوجوب قبول انواع التفاوت الاجتماعية والاقتصادية, والاختلافات شريطة ان تكون لصالح الاقل حظا , وانها تكفل لهؤلاء وضعا مرضيا ان انواع التفاوت تنظم لصالح كل فرد "(ص 178 ) , رولز اكد عليه حيث يرى "انه من الواجب توزيع المنافع على نحو يفيد منه الاقلون حظا "( الموضع نفسه ) وهو مبدأ يصحح فى ان واحد مبادئ الليبرالية ومبادئ الاشتراكية كما يرى الاستاذ .فالانصاف مراعاة التفاوت وليس العدل التوزيعى . ويضيف الى ما سبق مبدأ الثقافة الجمالية الذاتية " الامر الذى كان يشغل بال القدماء اكثر ,انما هو تكوين ضرب من الاخلاق التى تشكل جمال الوجود "(ص 188 ) . ويوجهنا الاستاذ الى مبدأ التحديد الذاتى واحترام الحياة وهذين المبدأين يسودان الدراسة التى تدور حول قضايا الاخلاق النظرية التى يطرحها تقدم الطب والبيولوجيا ,مبدأ التحديد الذاتى للفاعل القادر فى مجال الطب و يعرفه لنا الاستاذ وهو" اسم جديد لمبدأ الاستقلال الذاتى الذى يحيل لاحترام الشخص حيث احترام الحياة فى البيواثيكا ينبغى ان يكون بشكل صارم وهو لا يعنى الرجوع لذات بيولوجية بل يأخذ كيفية الحياة فى الاعتبار الحياة كما يجب ان يحياها الشخص" و يؤكد الاستاذ على ان "الاخلاق الحياتية المتعلقة بكرامة الانسان ,هى اعلى الى مالانهاية من مجرد الحياة تعود الى الفكرة الكانطية بان الانسان غاية فى ذاته " ( ص189 ) كان هذا المستوى الاول لدراسة الاخلاق فى عصر ما بعد الحداثة او مستوى دراسة الاطر الثقافية العامة للعصر والمبادئ التى تعيد صياغة الاخلاق فى عصرنا هذا , ينقلنا الاستاذ الى مستوى آخر وهو العرض الوافى الموسع لاهم النظريات الاخلاقية المعاصرة . الا انه من الواضح لنا ان الدكتور عطيه لا يكتفى بهذا العرض بل يسعى للتعمق اكثر فى كل هذه النظريات فهو يشرف على رسالة ماجستير عن الاخلاق عند ليفيناس , واخرى عن الاخلاق عند ليوتار , وثالثة عن الاخلاق عند ميشيل فوكو , ورابعة عن الاخلاق عند كارل اوتو ابل وهذه النظريات هى : مذهب الرغبه والسعادة عند ديلوز , اخلاق التعالى الدينى عند ليفيناس , الاخلاق والعلم لكارل اوتو ابل , هابرماس والاخلاق التواصليه , من الامر القطعى القديم الى الامر الجديد عند يوناس . ونستطيع ان نتبين من الخريطة البحثية هذه , اننا فى مدرسة أخلاقية يتولى كل بحث العمل فى جانب من جوانبها . هكذا تبدو الدراسه الاخلاقية عند الاستاذ خطة عمل للمستقبل . المستوى الثالث من هذه الدراسه وهو مستوى مبتكرا نادرا ما نجده فى الدراسات الاخلاقية العربية ويتناول الاخلاق النظريه التطبيقيه وهو يعرف الاخلاق التطبيقية واهميتها وظهور المدونات الاخلاقية عنها ثم ينتقل للاخلاق الحيوية " البيواثيقا " ملقيا الضوء على تاريخها وتحدياتها الاساسية وعلاقتها بالقانون والقضايا التى تطرحها علينا . ان الاستاذ يقدم لنا فى العربيه ولاول مره بشكل اكاديمى " اخلاق ما بعد الحداثه " وهو لا يكتفى بهذا التقديم بل يضيف عليه ما يشرف عليه من رسائل علميه اضخم , فاذا كان عبد الرحمن بدوى صاحب الاخلاق الوجوديه فى العربيه وزكى نجيب محمود صاحب الاخلاق الوضعيه وتوفيق الطويل صاحب الاخلاق العقليه, فاننى اقول بان التأسيس لدراسة الاخلاق فى عصر الحداثة الفائقه وما بعدها فى العربيه يرجع الى الاستاذ الدكتور احمد عبد الحليم عطيه الذى حدد خريطة العمل وأرشد الطلاب وبدأ البحث ولا يزال مستمرا اقول هذا واعلم تماما ان هذا السطر ربما لا يقبله الاستاذ تواضعا منه ونكران للذات , الا انه اذ لم يقال اليوم سيقال غدا لانه حقيقه موضوعيه يتحقق منها كل من يتابع اعماله . (*) أخترنا فى بحثنا الحالى مقاربة أهم ثلاث كتب فى فلسفة الاخلاق عند الدكتور أحمد عبد الحليم عطية فى وجهة نظرنا : دراسات فى الاخلاق الصادر عن دار الثقافة العربية بالقاهرة , 2002 . الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , دار الثقافة العربية, 2007 . الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر: دراسة تحليلية للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , 1998. 



(**)باحث فى الفلسفة - جامعة القاهرة (1) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , دار الثقافة العربية , 2002. (2) أحمد عبد الحليم عطية : الخطاب الفلسفى فى مصر : دراسة فى الافكار و الاعلام , دار قباء , القاهرة ,2001 , ويحتوى دراسات عن كل من توفيق الطويل ودراسات القيم فى العربية ص 201- 244 ,زكى نجيب محمود : القيم بين الوضعية والمدرسة الانفعالية ص245-276 , التفتازانى والنص الصوفى ص 387-422 , عثمان أمين : الجوانية والمثالية الديكارتية ص 423-444 , يحى هويدى وفلسفة الحضور الانسانى ص 457-472 . (3) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر- دراسة تحليلية للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , 1998. (4) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , دار الثقافة العربية, 2007. (5) أحمد عبد الحليم عطية : الخطاب الفلسفى فى مصر ,دار قباء , القاهرة,2006 . (6) يتضح ذلك فى اعطاء الفرصة لهؤلاء بالبحث وفتح المجال امامهم للنشر وتكوين فرق عمل منهم فى فلسفة الأخلاق الراهنة لدى كل من ليفيناس وكارل اوتو ابل وليوتارد وفوكو وغيرهم . (7) وهنا اشير إلى كتاباته الاخلاقية المتعددة بالاضافة إلى دراسته فى فلسفة القيم مثل : القيم فى الواقعية الجديدة,وميتافزيقا القيمة , والقيم فى الفكر الغربى المعاصر . وان كنت سأقتصر على عدد من كتبه الاخلاقية (8) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , دار الثقافة العربية, 2007.ص5. (9) المرجع نفسه , ص 6 . (10) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , دار الثقافة العربية , 2002.ص11. (11) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق .ص5. (12) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق ,مرجع سابق .ص77 (13) المرجع نفسه ,ص 107 . (14) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق ,ص41 . (15) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , مرجع سابق , ص149 . (16) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق ,ص71 . (17) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , مرجع سابق , ص 57 (18) عن أثر جالارثا على أجيال الاساتذه الرواد فى الجامعة المصرية , راجع دراسة أحمد عبد الحليم عطية فى مقدمة نشرته لكتاب جلارثا : الفلسفة العامة وتاريخها فى الجامعة المصرية . (19) انظر أحمد عبد الحليم عطية مقدمة ترجمةكتاب وولش الاخلاق الهيجلية . (20) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر- دراسة تحليلية للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , 1998. ص 70 . (21) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر , مرجع سابق , ص 177 . (22) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق .ص 162 . (23) المرجع نفسه ص 157 (24) المرجع نفسه ,ص 153 (25) المرجع نفسه,ص 145. (26) المرجع نفسه ,ص144. (27) المرجع نفسه ,ص 155.

  9 – مقال بعنوان "أتيقا الراهن : قراءة فى كتابات الاستاذ عطية " وهو استاذ فلسفة القيم والاخلاق المعاصرة بكلية الاداب –جامعة القاهرة – مجلة أوراق فلسفية العدد 22 -2009

مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر


رؤية المسيرى للنيتشويه

 

رؤية المسيرى للنيتشويه







 بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

          أرادة القوة, والانسان الاعلى, واخلاق السادة والعبيد, ومحاولة قلب القيم, والعود الابدى , والنزعة اللاعقلانية , والفردية المفرطة, والعدمية, والنزعة التشاؤمية , وموت الإله . وأحيانا موقفه من الاشتراكية والمرأة. هى الموضوعات الرئيسية فى العروض التقليدية الشائعة لفلسفة نيتشه, وان كانت بعض العروض المعاصرة تلقى الضوء على موضوعات زادت أهميتها فى الفترة الاخيرة كالمنهج الجينالوجى , وعلاقة نيتشه بفلسفة ما بعد الحداثة والتفكيك .

          إلا انه عموما لا تزال هذه هى الموضوعات التى تشكل الاطار العام الذى نعرف نيتشه من خلاله. لكن رؤية ما لنيتشه استطاعت هضم هذه الافكار وتمثلها جيدا واستيعابها فى شكل آخر أكثر علاقة بالاطروحات الفكرية العامة المعاصرة, وكأنها خرجت بعروض نيتشه من الإطار الفلسفى المتخصص الضيق الى رحاب ارض فكرية أوسع .

        فتعرض لفلسفة نيتشه كتعبير عن العلمانية الشاملة, والنموذج المادى لتفسير الكون, والنزعة التفكيكية لمشروع الحداثة الغربية, و اللاعقلانية المادية, و الاستنارة المظلمة, والحلولية الكمونية, وانطولوجيا العالم السائل, وكل هذه المصطلحات المصنوعة بشكل مبتكر و الخاصة بنموذج تفسيرى اكثر شمولا وموسوعية للثقافة الغربية المعاصرة. فضلا عن ان هذه الرؤية تكتشف اراضى بكر فى فلسفة وفكر نيتشه كموقف نيتشه من اليهودية, وارتباط الفكر النيتشوى بالفكر الصهيونى.

        هذه الرؤية المتميزة هى رؤية المفكر العربى الموسوعى عبد الوهاب المسيرى للنيتشويه. خلاصة القول وفيما نظن إننا نجد عند المسيرى رؤية جديدة لنيتشه وقراءة مختلفة متميزة له وسط قراءات عالمية وعربية حديثة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : القراءة الوجودية ذو الطابع الاستلهامى لنيتشه كما نجدها عند ياسبرز وهيدجر او عند بدوى وهى قراءة يمكن الحكم عليها بأنها قراءة شارحة , والقراءة الماركسية : ذو الطابع النقدى و الرافض لموقف نيتشه السياسى من مركز ماركسى كما نجدها عند لوكاش وستبان اوديف وغيره من السوفيتيين وهى قراءة تجزئ نيتشه وتحصره فى آراءه السياسية , والقراءة التى تركز على مفهوم القوة النيتشوى كقراءة فوكو وبويلمر , والقراءة التى تركز على نقد النزعة الإنسانية ونجدها حاضرة عند فوكو أيضا وعند عبد الرازق الداوى , اما القراءة الأشهر التى تعتمد على رفض نيتشه للنزعة العقلانية نجدها عند هابرماس وجان فاتيمو[1].

       وكلها قراءات تجزئ نيتشه وتحصره فى نطاق مفاهيمه الجزئية وليست رؤيته العامة كما إنها لا توضح اثر فلسفة نيتشه فى مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية للإنسان الغربي بل تتناول تأثيره الفلسفى فقط وسط كل هذه القراءات ذو الطابع الاكاديمى المتخصص الذي يجزئ الرؤية النيتشويه للوجود نجد قراءة المسيرى تتناول تلك الرؤية الكلية النيتشويه و تراعى تأثيرها فى مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية للعالم الغربى .

        ظهور نيتشه والنيتشويه فى مشروع المسيرى الفكرى : وان كان ظهور نيتشه فى مشروع المسيرى الفكرى يبدوا قليلا من ناحية الكم, فهو لم يتحدث عن نيتشه بشكل صريح ومباشر الا فى حدود قليلة نسبيا رصدنا منها دراسة خصصها تحت عنوان " نيتشه فيلسوف العلمانية الاكبر " نشرت فى مجلة منبر الشرق واعيد نشرها فى مجلة اوراق فلسفية العدد الاول 2000 , ومادة طويلة نسبيا عن النيتشويه والصهيونية فى الجزء الرابع من المجلد الثانى من موسوعة اليهود و اليهودية والصهيونية وبعض فقرات من كتبه الاخرى .

         رغم هذه القلة الكمية الا ان ظهور فلسفة نيتشه والفكر النيتشوى فى مشروع المسيرى الفكرى ككل, يتعدى هذه الحدود الكمية ويزداد من الناحية الكيفية اذ اخذنا فى الاعتبار ان فلسفة وفكر نيتشه متعلقان بشكل اساسى بالمفاتيح الاصطلاحية الكبرى فى نموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة وتجلياتها فى الواقع الراهن وبفهم وقراءة المسيرى لهذه الحضارة فى تجلياتها المختلفة . فالمسيرى لا يهدف تقديم معالجة جديدة لفلسفة نيتشه بقدر ما يستخدم نيتشه وفلسفته او تفرض عليه فرضا ويشتبك معها مستنبطا منها ما يفسر واقع الثقافة الغربية , سواء فى مفهومه للعلمانية الشاملة او ما بعد الحداثة .

        ولنضرب مثلا دراسة المسيرى المعنونة "العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية "والتى تقع فى مجلدين يتعرض فيها المسيرى بشكل كبير لعرض فكر نيتشه اذا ما كان يعتبره المسيرى فيلسوف العلمانية الاكبر. اى ان الحدود الكمية التى يظهر لنا فيها المسيرى يتحدث بشكل مباشر وصريح عن نيتشه لا تعبر مطلقا عن الظهور والحضور الطاغى والبارز لنيتشه وفكرة فى مشروع المسيرى فى فهم وتفسير الحضارة الغربية .

       و من البداية نوضح مسأله اساسية هى ان نيتشه يبدو لنا هو المقابل لفكر المسيرى ولنعترف : ليس المسيرى من المعجبين بنيتشه ولا بفكره ولا من المتأثرين به بل يمكننا القول ان المسيرى عكس ذلك فهو عدو لنيتشه والنيتشويه بعيدا عنهما كل البعد فى جوهر ونمط فكره " يبدو نيتشه وكأنه خصم المسيرى وعدوه الاول "[2] ورغم ذلك يتعرض المسيرى لفلسفة نيتشه والفكر النيتشوى بالعرض والمعالجة والدراسة بل يظهر نيتشه ظهورا محوريا فى المشروع الفكرى للمسيرى , وذلك يجعلنا نتسأل عن دوافع هذا الظهور القوى ولا يمكننا الاجابة على هذا التسأول الا من خلال فهم الاتى : اولا : ان هدف المسيرى من مشروعة الفكرى ككل ينصب على صياغة وبناء نموذج تفسيرى للثقافة الغربية وتجلياتها فى الواقع الراهن من علمانية و صهيونية وامبريالية وحداثية وما بعد حداثية ويعد فكر المسيرى ككل محاولة فى هذا الصدد . والنموذج عند المسيرى هو " بنية تصورية يجردها عقل الانسان من كم هائل من العلاقات والحقائق والوقائع , فهو يستبعد بعضها باعتبارها غير دالة ويستبقى البعض الاخر , ثم يربط بينها وينسقها تنسيقا خاصا بحيث تصبح مترابطة , ومماثلة فى ترابطها للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع "[3] خلاصة القول انه لبناء نموذج هناك استبعاد عناصر وابقاء عناصر على اساس الدلالة التفسيرية .

        ثانيا : رأى المسيرى فى نيتشه والنيتشويه عنصرا من اهم العناصر الدالة فى نموذجه التفسيرى للثقافة الغربية , اى ان نيتشه والنيتشويه فرضت نفسها فرضا على مشروع المسيرى الفكرى باعتبارها اعادة نظر وقراءة للفلسفة الغربية وبداية تغير فى التيار الرئيسى وتمهيد للتيارات المعاصرة التى تسعى الى تجاوز الاصول الاولى لها .ولذا يمكن لنا ان نلاحظ 1 - ان تناول المسيرى لنيتشه والنيتشويه كان مركزا على العناصر التى من خلالها اثر الفكر النيتشوي فى الثقافة الغربية المعاصرة اكثر من كونها عروض لفلسفة نيتشه اى انه يركز اكثر على النتشويه كما يراها منظومة فكرية فالمسيرى يفرق بين " فلسفة نيتشه باعتبارها فلسفة متناقضة تحوى الكثير من الافكار النبيلة والخسيسة والعاقلة والمجنونة , والفكر النيتشوى او النيتشوية " [4] .

        و هو يرى الفكر النتشوى " منظومة شبه متكاملة استنبطها الانسان الغربى من اعمال نيتشة وحققت من الذيوع والانتشار ما يفوق اعمال نيتشه الفلسفية نفسها . فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقراؤا صفحة واحدة من اعمال نيتشه , بل الذين اتخذوا مواقفهم قبل ان يخط نيتشه حرفا واحدا . فالخطاب الامبريالى منذ لحظة ظهورة فى القرن السابع عشر ,كان خطابا نيتشويا " [5]

      2 - ويمكن ايضا لهذا الظهور الخاص لنيتشه والنيتشويه فى نموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة ان يطرح علينا سؤالا هاما عن هذا الحضور القوى لنيتشه فى الثقافة الغربية المعاصرة وما اسبابه ؟ بغية التعامل معه و استخدام آليات مضادة للتغلب على هذا الحضور وهو ما يقترحه علينا المسيرى باعتباره رافضا للنيتشويه . وللتدليل على حضور نيتشه القوى فى الثقافة الغربية المعاصرة يمكن لنا الرجوع لقول المسيرى فى ختام دراسته النقدية عن نيتشه " ونحن نذهب الى ان اسبينوزا ونيتشه ودريدا هم اهم فلاسفة المنطومة العلمانية المادية , وان معظم الفلسفات الغربية التى ظهرت فى القرن العشرين ( بما فى ذلك الصهيونية والنازية ) خرجت من تحت عباءة نيتشه وان فكر ما بعد الحداثة (بكل تياراته ) هو امتداد لمنظومة نيتشه الفلسفية ."[6]

       واظن ان ما ذهب اليه المسيرى هو القول الشائع الذى لا نختلف معه كثيرا وهذا ما يجعلنا نقول ان نيتشه او النيتشوية كموضوع مرئى يفرض نفسه على اى منظر فكرى لهذا العصر الراهن فنيتشه موضوع اليوم بجدارة , ظاهرا جليا , جديرا بالاهتمام من اى ساعى للتنظير لثقافة وفكر العصر الراهن . فالنيتشويه ليست مجرد فلسفة بل ظاهرة ثقافية متسيده على الثقافة العالمية المعاصرة أليس نيتشه يمثل روح عصرنا هذا , عصر مابعد الحداثة, عصر عودة الاستعمار, عصر اختلاط الحابل بالنابل, وانهيار كل قيمة, عصر التفكيكية, والانسان ذو البعد الواحد , كم يبدو نيتشه قريبا منا, نراه كل يوم فى صور القتلى فى الجرائد , فى اخبار الحروب والدمار والدماء .

      المرئى والرائى : " يعلن المجنون موت الاله, لا فى حبور وغبطة, بل يعلنه فى مجرى السوق صارخا يتألم : لقد تلاشى الاله ؟ بل اقول لكم نحن الذين قتلناه – انتم وانا ..كلنا قتلة . ويسأل المجنون اسئلة تدل على حزنه : كيف تمكنا من فعل ذلك ؟ كيف شربنا كل ماء البحر ؟ من ذا الذى اعطانا الاسفنجة التى مسحنا بها الافق كله ؟ ماذا كنا نفعل عندما فككنا الارض عن شمسها ؟ الى اين نتحرك الان ؟ بعيدا عن كل الشموس ؟السنا فى حالة سقوط دائم ؟ الى الخلف , الى الجنب , الى الامام فى كل الاتجاهات ؟ الا يوجد طريق الى فوق او الى اسفل "[7].

       هكذا قال نيتشة فى كتاب " العلم المرح " فى مقطع بعنوان المجنون , كما يذكرنا المسيرى ( وهو الاستشهاد الوحيد الذى استخدمه المسيرى من نصوص نيتشة فى دراسته نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر نظرا لاهميته ) . ودعونا نتأمل الاسلوب الذى عبر به نيتشه عن فلسفته والذى يعكس وجهة نظر نيتشه فى الفكر ككل . يقول نيتشه معرفا الفكر " الفكر تعبير عن ارادة القوة ".

        ولتوضيح ذلك نقول ان تعمد تبنى الافكار المتطرفة والتعبير عنها بلغة حماسية شديدة اللهجة لهو احد اهم سمات المفكر الذى اختار توجه المغالاة الاسلوبية , ذلك التوجه الذى له اكبر الاثر فى تغيير الواقع ؛ لان اثر المغالاة الاسلوبية يتجه نحو تغيير الواقع مباشرة لا نحو الفكر, حيث تكون الكلمات اشد حميمية فى علاقتها بالانسان تدفعه وتكون الباعث له على التغيير مستسلما لبرمجة تلك الكلمات له دون ادخالها فى دائرة النقد والتحقق الذى يتميز بهما الفكر , ولا شك ان نتيشه من احد اهم اعلام توجه المغالاة الاسلوبية ولذا فاق تأثيره فى الواقع الغربى تأثير مفكرين كثيرين واصبح حدثا تاريخيا مشكل للثقافة الغربية المعاصرة اكثر من كونه مفكرا نمطيا او عاديا . فلابد لادراك الثقافة الغربية المعاصرة ادراك ورؤية نيتشه .

       ولنستشهد على ذلك برؤية لوكاش الذى يرى ان : " ان نيتشه يحتل موقعا فريدا فى تاريخ اللاعقلانية الحديثة ويرجع هذا الى الحاله التاريخية التى ظهر فيها , والى مواهبه الشخصية الخارجة عن المألوف " [8] لكن الرؤية لا تعتمد على الشئ المرئى فقط بل تعتمد ايضا على موقع الرائى والوجهة التى ينظر منها, اذن السؤال الان ما هو الموقع الذى نظر المسيرى من خلاله الى نيتشه المسيرى ؟ فاذا كان الفكر فى حقيقته هو التروى لا الاندفاع فى اصدار الاحكام فهو اخضاع الافكار للتحقق والنقد والاختبار قبل تبنيها (عكس توجه المغالاة الاسلوبية ) لذا فان هناك نوعا من المفكرين قضيتهما الاساسية التأثير فى الفكر ذاته ومن ثم التأثير فى الواقع عبر ذلك الفكر وليس بطريقة مباشرة. وانا احسب ان الاستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيرى واحدا من هؤلاء المفكرين , فرغم ان الموضوعات التى يتطرق اليها : كالصهيونية والعلمانية هى انسب الموضوعات لممارسة المغالاة الاسلوبية الا انه لم يختر هذا التوجه بل اختار مخاطبة الفكر عبر التروى فى التعامل مع الظواهر المختلفة واخضاعها للتأمل والتحليل والتفسير قبل التعامل معها غايته الاولى هى تحقيق المعرفة لذاتها , تلك المعرفة التى تتيح له القدرة على تفسير الظواهر ومن ثم ايجاد الاسلوب الامثل للتعامل معها ( فى حين ان غاية نيتشه تحريك الواقع لا مخاطبة الفكر ذاته) .

       هذا بالاضافة الى ثلاث سمات فى المفكر العربى , وهى سمات ايجابية السمة الاولى : هى الرغبة فى المعرفة لذاتها وليس من اجل السيطرة على الواقع او تحريكه او التأثير فيه فغاية ما يطمح اليه المسيرى هو ايجاد نموذج تفسيرى للظواهر يؤهلنا للتعامل معها. السمة الثانية: هى الرغبة فى الموسوعية او شمول الظواهر والاحاطة بمعرفتها حيث نجد ان معظم كتابات المسيرى لا تخلو من طابع موسوعى.

       السمة الثالثة: هى البحث عن الوحدة التى تقف وراء التنوع وهذا يفسر لنا بحث المسيرى عن نموذج كامن مفسر للظواهر المختلفة . فمشروع المسيرى هو محاولة ايجاد نموذج نفسر به الثقافة الغربية المعاصرة حتى نسطيع التعامل معها وهو مشروع فكرى يلعب فيه نيتشه وغيره من انبياء الشك - كما يطلق عليهم بول ريكور- دورا كبيرا كاحد اهم مشكلى الثقافة الغربية المعاصرة .

        هذا هو الموقع الذى يرى منه المسيرى نيتشه هو موقع الراغب فى ادراك وتفسير الثقافة الغربية المعاصرة ؟ ولكن كيف يدرك المسيرى نيتشه اذا كانت الرؤية نوعا من الادراك ؟ يقول المسيرى : " ان عقل الانسان ليس خاملا , يتلقى الواقع بشكل سلبى ويسجله بشكل مباشر , وانما هو مبدع خلاق , يعيد صياغة الواقع من خلال النماذج المعرفية والادراكية اثناء ابسط عمليات الادراك .

       اى ان استخدام النماذج مسألة حتمية تدخل فى صميم عملية الادراك " [9] ويرى المسيرى ان نيتشه هو فيلسوف العلمانية الاكبر, هو رأى العلمانية اذن تتجسد فى نيتشه اى ان النموذج الذى اعاد من خلاله المسيرى صياغة نيتشه كى يدركه هو نموذج يتعلق بتفسير الثقافة الغربية المعاصرة عبر احد اهم سماتها وهى العلمانية وان كان السؤال الذى يشغلنى فى هذه الورقة هو كيف رأى المسيرى النيتشويه ؟ نجيب عليه ببساطة فى ان المسيرى رأى نيتشه " فيلسوف علمانى عدمى المانى , اول من عبر بشكل منهجى وصريح عن النزعة التفكيكية فى المشروع التحديثى الاستنارى الغربى الذى يدور فى اطار العقلانية المادية , ومن ثم فهو فيلسوف الاستنارة المظلمة واللاعقلانية المادية بلا منازع . "[10]

        هذا ما نجده فى افتتاح مقالته الهامة المعنونة ب " نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر " العلمانية الشاملة وهنا نتوقف عند وصفه لنيتشه بانه علمانى, خصوصا ان مفهوم العلمانية عند المسيرى يتخذ شكلا شاملا مبتكرا فهو ليس الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع , بل يمكن تلخيصه بانه فصل القيم الانسانية والاخلاقية والدينية عن الحياة فى جانبيها الخاص والعام ونزع القداسة عن الانسان والطبيعة بحيث يتحول العالم باسره الى مادة استعمالية يوظفها الاقوى لحسابه , ويمكن ان نقول ان هذا التعريف ينطبق تماما على نيتشه قيلسوف , ارادة القوة وكانه وضع خصيصا تلخيصا لفكره كما يراه المسيرى ولا ننسى ان نيتشه هو القائل Iam a moralist انا لست اخلاقيا وحديثه عن قلب القيم وهو رفض واستبعاد للاخلاق فيما يرى المسيرى بل يرجع المسيرى اهمية نيتشه الحقيقية الى انه ساعد على استكمال الطفرة الفلسفية التى سيتحقق من خلالها النموذج العلمانى المادى ويتعين ويتبلور ماذا كانت هذه الطفرة الفلسفية ؟ الطفرة الفلسفية التى ادت لظهور نيتشه ( مأزق العقلانية المادية ) : هنا نتوقف عند مفهوم العقلانية المادية الذى يجعل منه المسيرى اطارا للمشروع التحديثى الغربى ككل وهو مفهوم ينطوى على مفارقة وقد اشار اليها المسيرى عبر حديثه عن تاريخ الفلسفة الغربية , فالعقلانية تـنفى المادية وتزحزح مركزيتها لصالح مركزية الانسان كما ان العقلانية تفترض وجود ثبات ومن ثم مطلق فى حين المادة تكون فى تغيرونسبية فهو يرى- اى المسيرى - ان تاريخ الفلسفة الغربية صراع بين رؤيتين: احدهما ترى الانسان الواعى مركز للكون وهى النزعة الانسانية التى تطورت لتصبح ذات بعدا عقلانى , لان الانسان كائن قادر على التحكم فى نفسه وعواطفه وتسخير الكون من خلال اعمال العقل ومن ثم فالعقلانية تفترض وجود ثبات فى عقل الانسان يماثله وجود ثبات فى الكون المتغير فى مقابل الرؤية الاخرى التى ترى المادة غير الواعية هى مركز الكون وهى المادية التى نجحت الفلسفة النقدية والتجريبية فى ان تجعل المادة المتغيرة هى المرجعية الوحيدة والركيزة الاساسية للوجود والقضاء على اى اساس دينى للمعرفة والاخلاق , اى نجاح الرؤية المادية , لكن العقلانية اسست نظاما معرفيا وأخلاقيا يستند الى نقطة ثبات ما توجد خارج المادة المتغيرة متمثلة فى المطلقات العلمانية مثل : العقل والطبيعة البشرية والحتمية التاريخية والايمان بالتقدم ..الخ اى انها افتراضت وجود حقيقة ثابتة وكلية اى استبدلت المطلق الربانى بالمطلق العقلانى فى حين ترد الرؤية العلمانية والمادية الصارمة الكون باسره الى مبدا واحد كامن فى الطبيعة / المادة لا يتجاوزها لكن حدث تجاوز عندما اسست الفلسفة الغربية انساقا اخلاقية تتسم بالثبات والمطلقية مستمدة من العقلانية , فاما ان يكون العقل , ومن ثم الانسان المركز والمرجعية المطلقة وهى مرجعية تتميز بالثبات واما ان تكون المادة هى المركز والمرجعية التى تتميز بالتغير والنسبية لكن لم تاخذ الفلسفة الغربية الحديثة هذا فى الاعتبار فكانت فلسفة واحدية كمونية حلولية وهنا كان لابد من فيلسوف ياخذ الخطوة المنطقية المتضمنة فى النموذج المادى وتحرير الانسان من اى اوهام متبقية عن الثبات والتجاوز والكلية ومن ثم تحقيق العلمانية الكاملة عن طريق لا عقلانية مادية تتجسد فى فكر نيتشه .

       مقابلة يضعها المسيرى بين الانطولوجيا التقليدية وانطولوجيا نيتشه العالم التقليدى : هو عالم له مركز متجاوز او مفارق له هذا المركز هو الاله او الجوهر الانسانى المطلق , هناك مسافة فاصلة بينه وبين الطبيعة , اى مسافة فاصله بين الاله والطبيعة , الانسان والطبيعة , الروح والمادة , الفعل المباشر والتأمل , الخير والشر , القبيح والجميل , السبب والنتيجة , الثابت والمتغير. ان اساس الوجود كما نجد لدى المسيرى وجوهر رؤيته لهذا الوجود هو الثنائية , وبالتالى التجاوز مقابل كافة اشكال الواحدية مادية كانت او روحية فهى فى نظره حلولية , او وحدة وجود تسود الفكر الغربى , بينما الررؤية المتجاوزة هناك الله والعالم , الانسان والطبيعة .

     والانسان ممكن ان يعرف الطبيعة لان له جوهر متجاوز لها هو الروح , اذن يمكن ان تقوم منظومة اخلاقية متجاوزة لحركة المادة يحتكم عليها الانسان اى هناك تنزيه للاله ومن ثم الجوهر الانسانى عن العالم , عالم يتميز بالثنائية , هناك امكانية لقيام معرفة و اخلاق عالم نيتشه (اوالنموذج المادى لتفسير الكون ) : عالم بدون مركز متجاوز له , اى ان الاله او الانسان ذاب فى المادة واصبح جزء منها فلا فرق جوهرى ولا مسافة فاصلة بين الانسان والحيوان , ومن ثم لا يمكن للانسان ان يعرف الطبيعة , فالجزء لا يمكن ان يحيط بالكل , لا يمكن ظهور منظومات اخلاقية متجاوزة لحركة المادة , فالانسان جزء من هذه الحركة خاضعا لها . وهنا تصبح المعرفة نسبية وتشكل الاخلاق كابوسا ويصبح الجسد روح ويصبح الفعل المباشر هو الفعل الوحيد الممكن ويصبح الخير هو الشر, اى ان العالم كلا عضويا واحدا مصمتا مغلقا لا مركز له بعد تصاعد معدلات كمون المركز فى المادة الى ان يختفى المركز تماما (تماما مثل الصهيونية ) , يصبح لا ثابت ولا متغير سيولة شاملة تختفى فيها الهوية ذاتها , لا توجد ثوابت يصبح الانا هو والهو انا , المقدس نسبى والنسبى مقدس والدال مدلولا والمدلول دالا باختصار هو عالم ما بعد الحداثة الحلولية الكمونية : هو مصطلح هام عند المسيرى ماخوذ من تراث العصر الوسيط وعلى الاخص علم اللاهوت المسيحى وعلم الكلام الاسلامى واستخدام المسيرى له له دلالة هامة , وهى رغبته فى التواصل مع التراث مستخدما له مغازلا اياه عبر مصطلح هام فى نموذجه التفسيرى والحلول مصطلح مقابل للتنزيه فى علاقة الله بالعالم فهناك انفصال بين الله والعالم وجدناه فى العالم التقليدى وهناك رؤية ترى عدم الانفصال والحلول رايناها تسود عالم نيتشه فى عالم نيتشه عالم المادية واختفاء المركز ومن ثم فهو بلا يقين او معنى اوغاية او كينونه او هوية يطلق عليه المسيرى انطولوجيا العالم السائل وفيه يصبح الانسان بلا ذات ولا حدود ولا استقلال ولا مركزية اى تتحطم الاوهام الهيومانية التى تاسس عليها التنوير ومن ثم يتفكك المشروع التنويرى الغربى انها عالم الاستنارة المظلمة .

        تلك هى الرؤية ببساطة من خلال مصطلحات المسيرى المبتكرة التشابه بين النيتشويه و الصهيونية : كلهما نسق عضوى دائرى , حلولي , داروني , تناظر ارادة القوة عند نيتشه ارادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودى , وكلاهما تعبير عن الذات حين تتوثن عند نيتشه ويعبد الانسان الذات القومية المقدسة فى الصهيونية, الانسان كحيوان مفترس وكذلك طرحت الصهيونية ذاتها باعتبارها التى ستجعل يهود المنفى الضعفاء وحوش وسادة , التفكير النخبوى , تقسيم العالم الى سادة وعبيد , اختفاء حدود الاشياء ومعالمها او السيولة , الاهتمام بالماضى والمستقبل وليس الحاضر , عدم الحديث عن السعادة وتجاهلها , والاهم هو ان كلا الفكرين الحياة بالنسبة لهم توسع ونمو واستيلاء على الاخر وهزيمة له , ومعاداة للفكر واحتقارا له , وتمجيد للفعل المباشر ولاخلاق السادة .

       علنا استعرضنا الملامح الاساسية التى تميزت بها قراءة المسيرى لنيتشه والنيتشويه والتى رصدناها فى هاتين السمتين الاساسيتين 1 – معالجة فلسفة نيتشه من خلال بناءات اصطلاحية جديدة مبتكرة خاصة بنموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة . 2 – طرح موضوعات جديدة فى العرض لنيتشه لم يتم تناولها من قبل فى عروض للنتشوية . وايجاد صلات قد تبدو معلنة او خفية بين فلسفة نيتشه وتجليات الحضارة الغربية .

 [1] للاستزادة فى قراءات نيتشة العالمية والعربية يمكن الرجوع لدراسة د/ احمد عبد الحليم عطية : نيتشه وجينالوجيا القيم , ما بعد الحداثة والاختلاف مقالات فلسفية , اصدارات اوراق فلسفية , 2005 ..

[2] احمد عبد الحليم عطية : المسيرى والفلسفة من ص 58 الى 108 , فى عالم عبد الوهاب المسيرى :حوار نقدى حضارى, تحرير احمد عبد الحليم عطية ,دار الشروق ,ط1 , 2004 . ص 82

[3] عبد الوهاب المسيرى : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ,مج 2 , ط2 , دار الشروق ,2005 ص 444 . 3 عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ,مج 2 , ج 4 ,ص 459 .

[5] عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ,مج 2 , ج 4 ,ص 459 . [6] عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 112

[7] عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 101 [8] د/ احمد عبد الحليم عطية : نيتشه وجينالوجيا القيم , ما بعد الحداثة والاختلاف مقالات فلسفية , اصدارات اوراق فلسفية , 2005 .ص 105 .. [9] [9] عبد الوهاب المسيرى : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ,مج 2 , ط2 , دار الشروق ,2005 . [10]عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 95

8- مقال عن رؤية المفكر العربى عبد الوهاب المسيرى للفلسفة النتشويه مقدم فى مؤتمر دولى عن المسيرى بعنوان " المسيرى الرؤية والمنهج " فى الفترة من 14 الى 17 فبراير 2007 بالمجلس الاعلى للثقافة .والبحث منشور فى كتاب علماء مكرمون – دار الفكر -2007 . بالاضافة الى انه منشور الكترونيا فى موقع الدكتور عبد الوهاب المسيرى .واعيد نشره فى مجلة اوراق فلسفية عدد19 .

8- رؤية المفكر العربى عبد الوهاب المسيرى للفلسفة النتشويه مقدم فى مؤتمر دولى عن المسيرى بعنوان " المسيرى الرؤية والمنهج " فى الفترة من 14 الى 17 فبراير 2007 بالمجلس الاعلى للثقافة.


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

  مشروع التراث والتجديد     : البدايات الثورية والنهايات الروحية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ عضو الجمعية الفلسفية المصرية          إطلقت كلمة ...