إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 26 ديسمبر 2021

رؤية المسيرى للنيتشويه

 

رؤية المسيرى للنيتشويه







 بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

          أرادة القوة, والانسان الاعلى, واخلاق السادة والعبيد, ومحاولة قلب القيم, والعود الابدى , والنزعة اللاعقلانية , والفردية المفرطة, والعدمية, والنزعة التشاؤمية , وموت الإله . وأحيانا موقفه من الاشتراكية والمرأة. هى الموضوعات الرئيسية فى العروض التقليدية الشائعة لفلسفة نيتشه, وان كانت بعض العروض المعاصرة تلقى الضوء على موضوعات زادت أهميتها فى الفترة الاخيرة كالمنهج الجينالوجى , وعلاقة نيتشه بفلسفة ما بعد الحداثة والتفكيك .

          إلا انه عموما لا تزال هذه هى الموضوعات التى تشكل الاطار العام الذى نعرف نيتشه من خلاله. لكن رؤية ما لنيتشه استطاعت هضم هذه الافكار وتمثلها جيدا واستيعابها فى شكل آخر أكثر علاقة بالاطروحات الفكرية العامة المعاصرة, وكأنها خرجت بعروض نيتشه من الإطار الفلسفى المتخصص الضيق الى رحاب ارض فكرية أوسع .

        فتعرض لفلسفة نيتشه كتعبير عن العلمانية الشاملة, والنموذج المادى لتفسير الكون, والنزعة التفكيكية لمشروع الحداثة الغربية, و اللاعقلانية المادية, و الاستنارة المظلمة, والحلولية الكمونية, وانطولوجيا العالم السائل, وكل هذه المصطلحات المصنوعة بشكل مبتكر و الخاصة بنموذج تفسيرى اكثر شمولا وموسوعية للثقافة الغربية المعاصرة. فضلا عن ان هذه الرؤية تكتشف اراضى بكر فى فلسفة وفكر نيتشه كموقف نيتشه من اليهودية, وارتباط الفكر النيتشوى بالفكر الصهيونى.

        هذه الرؤية المتميزة هى رؤية المفكر العربى الموسوعى عبد الوهاب المسيرى للنيتشويه. خلاصة القول وفيما نظن إننا نجد عند المسيرى رؤية جديدة لنيتشه وقراءة مختلفة متميزة له وسط قراءات عالمية وعربية حديثة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : القراءة الوجودية ذو الطابع الاستلهامى لنيتشه كما نجدها عند ياسبرز وهيدجر او عند بدوى وهى قراءة يمكن الحكم عليها بأنها قراءة شارحة , والقراءة الماركسية : ذو الطابع النقدى و الرافض لموقف نيتشه السياسى من مركز ماركسى كما نجدها عند لوكاش وستبان اوديف وغيره من السوفيتيين وهى قراءة تجزئ نيتشه وتحصره فى آراءه السياسية , والقراءة التى تركز على مفهوم القوة النيتشوى كقراءة فوكو وبويلمر , والقراءة التى تركز على نقد النزعة الإنسانية ونجدها حاضرة عند فوكو أيضا وعند عبد الرازق الداوى , اما القراءة الأشهر التى تعتمد على رفض نيتشه للنزعة العقلانية نجدها عند هابرماس وجان فاتيمو[1].

       وكلها قراءات تجزئ نيتشه وتحصره فى نطاق مفاهيمه الجزئية وليست رؤيته العامة كما إنها لا توضح اثر فلسفة نيتشه فى مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية للإنسان الغربي بل تتناول تأثيره الفلسفى فقط وسط كل هذه القراءات ذو الطابع الاكاديمى المتخصص الذي يجزئ الرؤية النيتشويه للوجود نجد قراءة المسيرى تتناول تلك الرؤية الكلية النيتشويه و تراعى تأثيرها فى مجمل الحياة الثقافية والاجتماعية للعالم الغربى .

        ظهور نيتشه والنيتشويه فى مشروع المسيرى الفكرى : وان كان ظهور نيتشه فى مشروع المسيرى الفكرى يبدوا قليلا من ناحية الكم, فهو لم يتحدث عن نيتشه بشكل صريح ومباشر الا فى حدود قليلة نسبيا رصدنا منها دراسة خصصها تحت عنوان " نيتشه فيلسوف العلمانية الاكبر " نشرت فى مجلة منبر الشرق واعيد نشرها فى مجلة اوراق فلسفية العدد الاول 2000 , ومادة طويلة نسبيا عن النيتشويه والصهيونية فى الجزء الرابع من المجلد الثانى من موسوعة اليهود و اليهودية والصهيونية وبعض فقرات من كتبه الاخرى .

         رغم هذه القلة الكمية الا ان ظهور فلسفة نيتشه والفكر النيتشوى فى مشروع المسيرى الفكرى ككل, يتعدى هذه الحدود الكمية ويزداد من الناحية الكيفية اذ اخذنا فى الاعتبار ان فلسفة وفكر نيتشه متعلقان بشكل اساسى بالمفاتيح الاصطلاحية الكبرى فى نموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة وتجلياتها فى الواقع الراهن وبفهم وقراءة المسيرى لهذه الحضارة فى تجلياتها المختلفة . فالمسيرى لا يهدف تقديم معالجة جديدة لفلسفة نيتشه بقدر ما يستخدم نيتشه وفلسفته او تفرض عليه فرضا ويشتبك معها مستنبطا منها ما يفسر واقع الثقافة الغربية , سواء فى مفهومه للعلمانية الشاملة او ما بعد الحداثة .

        ولنضرب مثلا دراسة المسيرى المعنونة "العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية "والتى تقع فى مجلدين يتعرض فيها المسيرى بشكل كبير لعرض فكر نيتشه اذا ما كان يعتبره المسيرى فيلسوف العلمانية الاكبر. اى ان الحدود الكمية التى يظهر لنا فيها المسيرى يتحدث بشكل مباشر وصريح عن نيتشه لا تعبر مطلقا عن الظهور والحضور الطاغى والبارز لنيتشه وفكرة فى مشروع المسيرى فى فهم وتفسير الحضارة الغربية .

       و من البداية نوضح مسأله اساسية هى ان نيتشه يبدو لنا هو المقابل لفكر المسيرى ولنعترف : ليس المسيرى من المعجبين بنيتشه ولا بفكره ولا من المتأثرين به بل يمكننا القول ان المسيرى عكس ذلك فهو عدو لنيتشه والنيتشويه بعيدا عنهما كل البعد فى جوهر ونمط فكره " يبدو نيتشه وكأنه خصم المسيرى وعدوه الاول "[2] ورغم ذلك يتعرض المسيرى لفلسفة نيتشه والفكر النيتشوى بالعرض والمعالجة والدراسة بل يظهر نيتشه ظهورا محوريا فى المشروع الفكرى للمسيرى , وذلك يجعلنا نتسأل عن دوافع هذا الظهور القوى ولا يمكننا الاجابة على هذا التسأول الا من خلال فهم الاتى : اولا : ان هدف المسيرى من مشروعة الفكرى ككل ينصب على صياغة وبناء نموذج تفسيرى للثقافة الغربية وتجلياتها فى الواقع الراهن من علمانية و صهيونية وامبريالية وحداثية وما بعد حداثية ويعد فكر المسيرى ككل محاولة فى هذا الصدد . والنموذج عند المسيرى هو " بنية تصورية يجردها عقل الانسان من كم هائل من العلاقات والحقائق والوقائع , فهو يستبعد بعضها باعتبارها غير دالة ويستبقى البعض الاخر , ثم يربط بينها وينسقها تنسيقا خاصا بحيث تصبح مترابطة , ومماثلة فى ترابطها للعلاقات الموجودة بين عناصر الواقع "[3] خلاصة القول انه لبناء نموذج هناك استبعاد عناصر وابقاء عناصر على اساس الدلالة التفسيرية .

        ثانيا : رأى المسيرى فى نيتشه والنيتشويه عنصرا من اهم العناصر الدالة فى نموذجه التفسيرى للثقافة الغربية , اى ان نيتشه والنيتشويه فرضت نفسها فرضا على مشروع المسيرى الفكرى باعتبارها اعادة نظر وقراءة للفلسفة الغربية وبداية تغير فى التيار الرئيسى وتمهيد للتيارات المعاصرة التى تسعى الى تجاوز الاصول الاولى لها .ولذا يمكن لنا ان نلاحظ 1 - ان تناول المسيرى لنيتشه والنيتشويه كان مركزا على العناصر التى من خلالها اثر الفكر النيتشوي فى الثقافة الغربية المعاصرة اكثر من كونها عروض لفلسفة نيتشه اى انه يركز اكثر على النتشويه كما يراها منظومة فكرية فالمسيرى يفرق بين " فلسفة نيتشه باعتبارها فلسفة متناقضة تحوى الكثير من الافكار النبيلة والخسيسة والعاقلة والمجنونة , والفكر النيتشوى او النيتشوية " [4] .

        و هو يرى الفكر النتشوى " منظومة شبه متكاملة استنبطها الانسان الغربى من اعمال نيتشة وحققت من الذيوع والانتشار ما يفوق اعمال نيتشه الفلسفية نفسها . فهناك الكثير من النيتشويين ممن لم يقراؤا صفحة واحدة من اعمال نيتشه , بل الذين اتخذوا مواقفهم قبل ان يخط نيتشه حرفا واحدا . فالخطاب الامبريالى منذ لحظة ظهورة فى القرن السابع عشر ,كان خطابا نيتشويا " [5]

      2 - ويمكن ايضا لهذا الظهور الخاص لنيتشه والنيتشويه فى نموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة ان يطرح علينا سؤالا هاما عن هذا الحضور القوى لنيتشه فى الثقافة الغربية المعاصرة وما اسبابه ؟ بغية التعامل معه و استخدام آليات مضادة للتغلب على هذا الحضور وهو ما يقترحه علينا المسيرى باعتباره رافضا للنيتشويه . وللتدليل على حضور نيتشه القوى فى الثقافة الغربية المعاصرة يمكن لنا الرجوع لقول المسيرى فى ختام دراسته النقدية عن نيتشه " ونحن نذهب الى ان اسبينوزا ونيتشه ودريدا هم اهم فلاسفة المنطومة العلمانية المادية , وان معظم الفلسفات الغربية التى ظهرت فى القرن العشرين ( بما فى ذلك الصهيونية والنازية ) خرجت من تحت عباءة نيتشه وان فكر ما بعد الحداثة (بكل تياراته ) هو امتداد لمنظومة نيتشه الفلسفية ."[6]

       واظن ان ما ذهب اليه المسيرى هو القول الشائع الذى لا نختلف معه كثيرا وهذا ما يجعلنا نقول ان نيتشه او النيتشوية كموضوع مرئى يفرض نفسه على اى منظر فكرى لهذا العصر الراهن فنيتشه موضوع اليوم بجدارة , ظاهرا جليا , جديرا بالاهتمام من اى ساعى للتنظير لثقافة وفكر العصر الراهن . فالنيتشويه ليست مجرد فلسفة بل ظاهرة ثقافية متسيده على الثقافة العالمية المعاصرة أليس نيتشه يمثل روح عصرنا هذا , عصر مابعد الحداثة, عصر عودة الاستعمار, عصر اختلاط الحابل بالنابل, وانهيار كل قيمة, عصر التفكيكية, والانسان ذو البعد الواحد , كم يبدو نيتشه قريبا منا, نراه كل يوم فى صور القتلى فى الجرائد , فى اخبار الحروب والدمار والدماء .

      المرئى والرائى : " يعلن المجنون موت الاله, لا فى حبور وغبطة, بل يعلنه فى مجرى السوق صارخا يتألم : لقد تلاشى الاله ؟ بل اقول لكم نحن الذين قتلناه – انتم وانا ..كلنا قتلة . ويسأل المجنون اسئلة تدل على حزنه : كيف تمكنا من فعل ذلك ؟ كيف شربنا كل ماء البحر ؟ من ذا الذى اعطانا الاسفنجة التى مسحنا بها الافق كله ؟ ماذا كنا نفعل عندما فككنا الارض عن شمسها ؟ الى اين نتحرك الان ؟ بعيدا عن كل الشموس ؟السنا فى حالة سقوط دائم ؟ الى الخلف , الى الجنب , الى الامام فى كل الاتجاهات ؟ الا يوجد طريق الى فوق او الى اسفل "[7].

       هكذا قال نيتشة فى كتاب " العلم المرح " فى مقطع بعنوان المجنون , كما يذكرنا المسيرى ( وهو الاستشهاد الوحيد الذى استخدمه المسيرى من نصوص نيتشة فى دراسته نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر نظرا لاهميته ) . ودعونا نتأمل الاسلوب الذى عبر به نيتشه عن فلسفته والذى يعكس وجهة نظر نيتشه فى الفكر ككل . يقول نيتشه معرفا الفكر " الفكر تعبير عن ارادة القوة ".

        ولتوضيح ذلك نقول ان تعمد تبنى الافكار المتطرفة والتعبير عنها بلغة حماسية شديدة اللهجة لهو احد اهم سمات المفكر الذى اختار توجه المغالاة الاسلوبية , ذلك التوجه الذى له اكبر الاثر فى تغيير الواقع ؛ لان اثر المغالاة الاسلوبية يتجه نحو تغيير الواقع مباشرة لا نحو الفكر, حيث تكون الكلمات اشد حميمية فى علاقتها بالانسان تدفعه وتكون الباعث له على التغيير مستسلما لبرمجة تلك الكلمات له دون ادخالها فى دائرة النقد والتحقق الذى يتميز بهما الفكر , ولا شك ان نتيشه من احد اهم اعلام توجه المغالاة الاسلوبية ولذا فاق تأثيره فى الواقع الغربى تأثير مفكرين كثيرين واصبح حدثا تاريخيا مشكل للثقافة الغربية المعاصرة اكثر من كونه مفكرا نمطيا او عاديا . فلابد لادراك الثقافة الغربية المعاصرة ادراك ورؤية نيتشه .

       ولنستشهد على ذلك برؤية لوكاش الذى يرى ان : " ان نيتشه يحتل موقعا فريدا فى تاريخ اللاعقلانية الحديثة ويرجع هذا الى الحاله التاريخية التى ظهر فيها , والى مواهبه الشخصية الخارجة عن المألوف " [8] لكن الرؤية لا تعتمد على الشئ المرئى فقط بل تعتمد ايضا على موقع الرائى والوجهة التى ينظر منها, اذن السؤال الان ما هو الموقع الذى نظر المسيرى من خلاله الى نيتشه المسيرى ؟ فاذا كان الفكر فى حقيقته هو التروى لا الاندفاع فى اصدار الاحكام فهو اخضاع الافكار للتحقق والنقد والاختبار قبل تبنيها (عكس توجه المغالاة الاسلوبية ) لذا فان هناك نوعا من المفكرين قضيتهما الاساسية التأثير فى الفكر ذاته ومن ثم التأثير فى الواقع عبر ذلك الفكر وليس بطريقة مباشرة. وانا احسب ان الاستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيرى واحدا من هؤلاء المفكرين , فرغم ان الموضوعات التى يتطرق اليها : كالصهيونية والعلمانية هى انسب الموضوعات لممارسة المغالاة الاسلوبية الا انه لم يختر هذا التوجه بل اختار مخاطبة الفكر عبر التروى فى التعامل مع الظواهر المختلفة واخضاعها للتأمل والتحليل والتفسير قبل التعامل معها غايته الاولى هى تحقيق المعرفة لذاتها , تلك المعرفة التى تتيح له القدرة على تفسير الظواهر ومن ثم ايجاد الاسلوب الامثل للتعامل معها ( فى حين ان غاية نيتشه تحريك الواقع لا مخاطبة الفكر ذاته) .

       هذا بالاضافة الى ثلاث سمات فى المفكر العربى , وهى سمات ايجابية السمة الاولى : هى الرغبة فى المعرفة لذاتها وليس من اجل السيطرة على الواقع او تحريكه او التأثير فيه فغاية ما يطمح اليه المسيرى هو ايجاد نموذج تفسيرى للظواهر يؤهلنا للتعامل معها. السمة الثانية: هى الرغبة فى الموسوعية او شمول الظواهر والاحاطة بمعرفتها حيث نجد ان معظم كتابات المسيرى لا تخلو من طابع موسوعى.

       السمة الثالثة: هى البحث عن الوحدة التى تقف وراء التنوع وهذا يفسر لنا بحث المسيرى عن نموذج كامن مفسر للظواهر المختلفة . فمشروع المسيرى هو محاولة ايجاد نموذج نفسر به الثقافة الغربية المعاصرة حتى نسطيع التعامل معها وهو مشروع فكرى يلعب فيه نيتشه وغيره من انبياء الشك - كما يطلق عليهم بول ريكور- دورا كبيرا كاحد اهم مشكلى الثقافة الغربية المعاصرة .

        هذا هو الموقع الذى يرى منه المسيرى نيتشه هو موقع الراغب فى ادراك وتفسير الثقافة الغربية المعاصرة ؟ ولكن كيف يدرك المسيرى نيتشه اذا كانت الرؤية نوعا من الادراك ؟ يقول المسيرى : " ان عقل الانسان ليس خاملا , يتلقى الواقع بشكل سلبى ويسجله بشكل مباشر , وانما هو مبدع خلاق , يعيد صياغة الواقع من خلال النماذج المعرفية والادراكية اثناء ابسط عمليات الادراك .

       اى ان استخدام النماذج مسألة حتمية تدخل فى صميم عملية الادراك " [9] ويرى المسيرى ان نيتشه هو فيلسوف العلمانية الاكبر, هو رأى العلمانية اذن تتجسد فى نيتشه اى ان النموذج الذى اعاد من خلاله المسيرى صياغة نيتشه كى يدركه هو نموذج يتعلق بتفسير الثقافة الغربية المعاصرة عبر احد اهم سماتها وهى العلمانية وان كان السؤال الذى يشغلنى فى هذه الورقة هو كيف رأى المسيرى النيتشويه ؟ نجيب عليه ببساطة فى ان المسيرى رأى نيتشه " فيلسوف علمانى عدمى المانى , اول من عبر بشكل منهجى وصريح عن النزعة التفكيكية فى المشروع التحديثى الاستنارى الغربى الذى يدور فى اطار العقلانية المادية , ومن ثم فهو فيلسوف الاستنارة المظلمة واللاعقلانية المادية بلا منازع . "[10]

        هذا ما نجده فى افتتاح مقالته الهامة المعنونة ب " نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر " العلمانية الشاملة وهنا نتوقف عند وصفه لنيتشه بانه علمانى, خصوصا ان مفهوم العلمانية عند المسيرى يتخذ شكلا شاملا مبتكرا فهو ليس الفصل بين الدين والدولة كما هو شائع , بل يمكن تلخيصه بانه فصل القيم الانسانية والاخلاقية والدينية عن الحياة فى جانبيها الخاص والعام ونزع القداسة عن الانسان والطبيعة بحيث يتحول العالم باسره الى مادة استعمالية يوظفها الاقوى لحسابه , ويمكن ان نقول ان هذا التعريف ينطبق تماما على نيتشه قيلسوف , ارادة القوة وكانه وضع خصيصا تلخيصا لفكره كما يراه المسيرى ولا ننسى ان نيتشه هو القائل Iam a moralist انا لست اخلاقيا وحديثه عن قلب القيم وهو رفض واستبعاد للاخلاق فيما يرى المسيرى بل يرجع المسيرى اهمية نيتشه الحقيقية الى انه ساعد على استكمال الطفرة الفلسفية التى سيتحقق من خلالها النموذج العلمانى المادى ويتعين ويتبلور ماذا كانت هذه الطفرة الفلسفية ؟ الطفرة الفلسفية التى ادت لظهور نيتشه ( مأزق العقلانية المادية ) : هنا نتوقف عند مفهوم العقلانية المادية الذى يجعل منه المسيرى اطارا للمشروع التحديثى الغربى ككل وهو مفهوم ينطوى على مفارقة وقد اشار اليها المسيرى عبر حديثه عن تاريخ الفلسفة الغربية , فالعقلانية تـنفى المادية وتزحزح مركزيتها لصالح مركزية الانسان كما ان العقلانية تفترض وجود ثبات ومن ثم مطلق فى حين المادة تكون فى تغيرونسبية فهو يرى- اى المسيرى - ان تاريخ الفلسفة الغربية صراع بين رؤيتين: احدهما ترى الانسان الواعى مركز للكون وهى النزعة الانسانية التى تطورت لتصبح ذات بعدا عقلانى , لان الانسان كائن قادر على التحكم فى نفسه وعواطفه وتسخير الكون من خلال اعمال العقل ومن ثم فالعقلانية تفترض وجود ثبات فى عقل الانسان يماثله وجود ثبات فى الكون المتغير فى مقابل الرؤية الاخرى التى ترى المادة غير الواعية هى مركز الكون وهى المادية التى نجحت الفلسفة النقدية والتجريبية فى ان تجعل المادة المتغيرة هى المرجعية الوحيدة والركيزة الاساسية للوجود والقضاء على اى اساس دينى للمعرفة والاخلاق , اى نجاح الرؤية المادية , لكن العقلانية اسست نظاما معرفيا وأخلاقيا يستند الى نقطة ثبات ما توجد خارج المادة المتغيرة متمثلة فى المطلقات العلمانية مثل : العقل والطبيعة البشرية والحتمية التاريخية والايمان بالتقدم ..الخ اى انها افتراضت وجود حقيقة ثابتة وكلية اى استبدلت المطلق الربانى بالمطلق العقلانى فى حين ترد الرؤية العلمانية والمادية الصارمة الكون باسره الى مبدا واحد كامن فى الطبيعة / المادة لا يتجاوزها لكن حدث تجاوز عندما اسست الفلسفة الغربية انساقا اخلاقية تتسم بالثبات والمطلقية مستمدة من العقلانية , فاما ان يكون العقل , ومن ثم الانسان المركز والمرجعية المطلقة وهى مرجعية تتميز بالثبات واما ان تكون المادة هى المركز والمرجعية التى تتميز بالتغير والنسبية لكن لم تاخذ الفلسفة الغربية الحديثة هذا فى الاعتبار فكانت فلسفة واحدية كمونية حلولية وهنا كان لابد من فيلسوف ياخذ الخطوة المنطقية المتضمنة فى النموذج المادى وتحرير الانسان من اى اوهام متبقية عن الثبات والتجاوز والكلية ومن ثم تحقيق العلمانية الكاملة عن طريق لا عقلانية مادية تتجسد فى فكر نيتشه .

       مقابلة يضعها المسيرى بين الانطولوجيا التقليدية وانطولوجيا نيتشه العالم التقليدى : هو عالم له مركز متجاوز او مفارق له هذا المركز هو الاله او الجوهر الانسانى المطلق , هناك مسافة فاصلة بينه وبين الطبيعة , اى مسافة فاصله بين الاله والطبيعة , الانسان والطبيعة , الروح والمادة , الفعل المباشر والتأمل , الخير والشر , القبيح والجميل , السبب والنتيجة , الثابت والمتغير. ان اساس الوجود كما نجد لدى المسيرى وجوهر رؤيته لهذا الوجود هو الثنائية , وبالتالى التجاوز مقابل كافة اشكال الواحدية مادية كانت او روحية فهى فى نظره حلولية , او وحدة وجود تسود الفكر الغربى , بينما الررؤية المتجاوزة هناك الله والعالم , الانسان والطبيعة .

     والانسان ممكن ان يعرف الطبيعة لان له جوهر متجاوز لها هو الروح , اذن يمكن ان تقوم منظومة اخلاقية متجاوزة لحركة المادة يحتكم عليها الانسان اى هناك تنزيه للاله ومن ثم الجوهر الانسانى عن العالم , عالم يتميز بالثنائية , هناك امكانية لقيام معرفة و اخلاق عالم نيتشه (اوالنموذج المادى لتفسير الكون ) : عالم بدون مركز متجاوز له , اى ان الاله او الانسان ذاب فى المادة واصبح جزء منها فلا فرق جوهرى ولا مسافة فاصلة بين الانسان والحيوان , ومن ثم لا يمكن للانسان ان يعرف الطبيعة , فالجزء لا يمكن ان يحيط بالكل , لا يمكن ظهور منظومات اخلاقية متجاوزة لحركة المادة , فالانسان جزء من هذه الحركة خاضعا لها . وهنا تصبح المعرفة نسبية وتشكل الاخلاق كابوسا ويصبح الجسد روح ويصبح الفعل المباشر هو الفعل الوحيد الممكن ويصبح الخير هو الشر, اى ان العالم كلا عضويا واحدا مصمتا مغلقا لا مركز له بعد تصاعد معدلات كمون المركز فى المادة الى ان يختفى المركز تماما (تماما مثل الصهيونية ) , يصبح لا ثابت ولا متغير سيولة شاملة تختفى فيها الهوية ذاتها , لا توجد ثوابت يصبح الانا هو والهو انا , المقدس نسبى والنسبى مقدس والدال مدلولا والمدلول دالا باختصار هو عالم ما بعد الحداثة الحلولية الكمونية : هو مصطلح هام عند المسيرى ماخوذ من تراث العصر الوسيط وعلى الاخص علم اللاهوت المسيحى وعلم الكلام الاسلامى واستخدام المسيرى له له دلالة هامة , وهى رغبته فى التواصل مع التراث مستخدما له مغازلا اياه عبر مصطلح هام فى نموذجه التفسيرى والحلول مصطلح مقابل للتنزيه فى علاقة الله بالعالم فهناك انفصال بين الله والعالم وجدناه فى العالم التقليدى وهناك رؤية ترى عدم الانفصال والحلول رايناها تسود عالم نيتشه فى عالم نيتشه عالم المادية واختفاء المركز ومن ثم فهو بلا يقين او معنى اوغاية او كينونه او هوية يطلق عليه المسيرى انطولوجيا العالم السائل وفيه يصبح الانسان بلا ذات ولا حدود ولا استقلال ولا مركزية اى تتحطم الاوهام الهيومانية التى تاسس عليها التنوير ومن ثم يتفكك المشروع التنويرى الغربى انها عالم الاستنارة المظلمة .

        تلك هى الرؤية ببساطة من خلال مصطلحات المسيرى المبتكرة التشابه بين النيتشويه و الصهيونية : كلهما نسق عضوى دائرى , حلولي , داروني , تناظر ارادة القوة عند نيتشه ارادة القوة اليهودية وبقاء الشعب اليهودى , وكلاهما تعبير عن الذات حين تتوثن عند نيتشه ويعبد الانسان الذات القومية المقدسة فى الصهيونية, الانسان كحيوان مفترس وكذلك طرحت الصهيونية ذاتها باعتبارها التى ستجعل يهود المنفى الضعفاء وحوش وسادة , التفكير النخبوى , تقسيم العالم الى سادة وعبيد , اختفاء حدود الاشياء ومعالمها او السيولة , الاهتمام بالماضى والمستقبل وليس الحاضر , عدم الحديث عن السعادة وتجاهلها , والاهم هو ان كلا الفكرين الحياة بالنسبة لهم توسع ونمو واستيلاء على الاخر وهزيمة له , ومعاداة للفكر واحتقارا له , وتمجيد للفعل المباشر ولاخلاق السادة .

       علنا استعرضنا الملامح الاساسية التى تميزت بها قراءة المسيرى لنيتشه والنيتشويه والتى رصدناها فى هاتين السمتين الاساسيتين 1 – معالجة فلسفة نيتشه من خلال بناءات اصطلاحية جديدة مبتكرة خاصة بنموذج المسيرى التفسيرى للثقافة الغربية المعاصرة . 2 – طرح موضوعات جديدة فى العرض لنيتشه لم يتم تناولها من قبل فى عروض للنتشوية . وايجاد صلات قد تبدو معلنة او خفية بين فلسفة نيتشه وتجليات الحضارة الغربية .

 [1] للاستزادة فى قراءات نيتشة العالمية والعربية يمكن الرجوع لدراسة د/ احمد عبد الحليم عطية : نيتشه وجينالوجيا القيم , ما بعد الحداثة والاختلاف مقالات فلسفية , اصدارات اوراق فلسفية , 2005 ..

[2] احمد عبد الحليم عطية : المسيرى والفلسفة من ص 58 الى 108 , فى عالم عبد الوهاب المسيرى :حوار نقدى حضارى, تحرير احمد عبد الحليم عطية ,دار الشروق ,ط1 , 2004 . ص 82

[3] عبد الوهاب المسيرى : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ,مج 2 , ط2 , دار الشروق ,2005 ص 444 . 3 عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ,مج 2 , ج 4 ,ص 459 .

[5] عبد الوهاب المسيرى : موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية ,مج 2 , ج 4 ,ص 459 . [6] عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 112

[7] عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 101 [8] د/ احمد عبد الحليم عطية : نيتشه وجينالوجيا القيم , ما بعد الحداثة والاختلاف مقالات فلسفية , اصدارات اوراق فلسفية , 2005 .ص 105 .. [9] [9] عبد الوهاب المسيرى : العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة ,مج 2 , ط2 , دار الشروق ,2005 . [10]عبد الوهاب المسيرى : نيتشة فيلسوف العلمانية الاكبر ص 95 الى 112 مجلة اوراق فلسفية العدد الاول ,2000.ص 95

8- مقال عن رؤية المفكر العربى عبد الوهاب المسيرى للفلسفة النتشويه مقدم فى مؤتمر دولى عن المسيرى بعنوان " المسيرى الرؤية والمنهج " فى الفترة من 14 الى 17 فبراير 2007 بالمجلس الاعلى للثقافة .والبحث منشور فى كتاب علماء مكرمون – دار الفكر -2007 . بالاضافة الى انه منشور الكترونيا فى موقع الدكتور عبد الوهاب المسيرى .واعيد نشره فى مجلة اوراق فلسفية عدد19 .

8- رؤية المفكر العربى عبد الوهاب المسيرى للفلسفة النتشويه مقدم فى مؤتمر دولى عن المسيرى بعنوان " المسيرى الرؤية والمنهج " فى الفترة من 14 الى 17 فبراير 2007 بالمجلس الاعلى للثقافة.


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

  مشروع التراث والتجديد     : البدايات الثورية والنهايات الروحية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ عضو الجمعية الفلسفية المصرية          إطلقت كلمة ...