إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 26 ديسمبر 2021

المسيرى مفكرا اسلاميا ؟!

    

 

 المسيرى مفكرا اسلاميا ؟!

 أحمد حمدى حسن(*)

 





 

رحل فى شجاعة نادرة ( تمثلت اشهر معالمها فى مواجهة الكيان الصهيونى و النزعات اللاانسانية والمرض والسلطة ) وأصالة شامخة أستاذ ومفكر متفرد ومتميز , تاركا ورائه فكرا زخما و ميراث كبير من العطاء , ذا مغزى فى تفرده( الفكر , الاسلوب , الممارسة ) , ستنهل منه أجيال وأجيال , ولن يستطيع التاريخ ان يوارى هذا الفكر خلف احداثة المضجرة التى لا معنى لها, ليس فقط فكره الذى لن يستطيع التاريخ ان يواريه بل تجربته الشخصية ورحلته فى العطاء و الممارسة من أجل ما كان يتطلع اليه من تقدم لبلاده وأمته , فممارساته كانت قادره على ايصال رسالته الفكرية فى ابلغ المعانى وطرحه كنموذج وقدوة لجيل يعانى من غياب مثل هذه القدوة , فهو اثبت لنا كجيل أكذوبه اليأس , وعدم صدق مسلمة تردى الحالة الفكرية للمصريين وبأن العمل الفكرى المنبنى على جهد بحثى دؤوب وشاق مازال وسيزال سمه للمفكر المصرى بل والعربى . ان غاية ما يشغلنى – وعلى مستوى شخصى - من نجم فكرى مصرى ضخم ولامع كالمسيرى , باعتبارى مازلت طفلا صغيرا أعبث بجوار عتبات البحث و الفكر , هو ماهية ذلك الكيان المتفانى المخلص , الذى يملا الاجواء التى ياتى فيها ذكره , احساسا بمعانى نادرة هى العطاء و المشاركة الفكرية الضخمة , عندما تتعدى تلك المشاركة وذلك العطاء حدود ما تعلمته وايقنته وتعودت عليه من واقعنا المعاصر المأزوم فكريا وأخلاقيا , تتعدى ذلك كله لعالم اكثر رحابه ومثاليه , لم اعتد ان اراه من قبل , هنا سألت الاخرين عن ماهية ذلك الاستاذ ؟ فعلمت انه مفكرا اسلاميا , وانه افنى جزء كبير من حياته فى دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وكل ما يتعلق بهم ( أكثر من ثلاثين عاما ) , وهو اديب ومؤلف قصص للاطفال , وعلمت عنه ايضا انه كان يوما ما فى زمن ما كان من من يطلق عليهم ماركسيون , وعلمت ايضا وهذا الاهم انه ابن بلد وصاحب نكته لا ليضحك عليها فقط بل ليحللها ويستخرج منها حكمة اقترنت بالمصريون وحالهم , و قرأت له كتب عديدة تنتشر بيننا نحن الشباب , من كل الاتجاهات الفكرية السائدة بيننا , كتب تتكلم عن اليهود واليهودية والصهيونية وفلسطين , او الحداثة الغربية , والعلمانية , و كتب اقرب الينا تتحدث عن رحلته وسعيه العلمى الدئوب , لقد احدث المسيرى شيئا ما فى داخلى وفى داخل شباب غيرى وهو شيئا ايجابى ويزداد مع الايام فهو بشكل أصيل ومبتكر يتعدى الاستقطاب الفكرى الحاد الحادث بين العلمانين والدينين , ويرينا فى عصر ما بعد الحداثه بكل ما فيه من عبر , مثال يمكن ان يحتذى وعلم أصيل و مبتكر لا يغوى الدعاوى الفكرية المثيرة للجدل وضوء الاعلام . وقد اغرمت وجبلت وتعودت العقول البشرية التصنيف والتحديد واكساب هوية مميزة للاشياء و الافكار و الاشخاص , واذا كان ذلك لا يلائم طبيعة الفكر الحيوية الحركية , الا ان تصنيف المفكرين مازال عادة فكرية حميمة للعقل الانسانى لنزعته التلخيصية الاختزالية الساعية للسيطرة التامه على المعارف والافكار . فحين يقال ان المسيرى مفكرا اسلاميا , و احيانا يقال كان مفكرا يساريا ثم اصبح اسلاميا , فان هذا لايعنى اى شئ لمن يقرأ المسيرى عبر كتاباته الممتدة فى مواضيعه المتعدده كاليهود واليهودية والصهيونية او العلمانية الشاملة او غيرها من الكتابات النقدية للحضارة الغربية , وكتاباته الادبية الاخرى . لكن السؤال الجدير بالطرح هو لماذا نقول بان المسيرى مفكرا اسلاميا ( مع الاخذ فى الاعتبار ان المسيرى بعيد نسبيا عن ساحة الاستقطاب الفكرى الحاد ذو الابعاد السياسية بين الاسلامين والعلمانين ) ؟ واذا كان هذا القول صحيحا فبأى معنى نستطيع ان نقول ان المسيرى مفكرا اسلاميا ؟ ذلك هو السؤال الذى نحاول الاجابة عليه فى السطور القادمة ,عبر مناقشة الاختلاف الجوهرى بين الخطاب الدينى من حيث كونه خطاب يناشد ممارسة اعتقادية وتعبدية , و الخطاب الفكرى من حيث كونه ممارسه تعقليه اولا واخيرا . فإذا تحدثنا عن الخطاب الدينى كما حددناه خطابا للاعتقاد و الامور التعبديه وجدناه يلخص نزعات دعويه و فقهية وتشريعية كأدوات اساسية فى هذا النوع من الخطاب سواء كان سلفيا او حتى تنويريا عصريا, وهو بذلك يختلف فى مرجعيته عن الخطاب الفكرى المبنى على اعمال العقل الخالص او المحض الغير متحيز للاعتقاد . ان كلمة فكر دينى الذى تطالعنا فى تصنيفات الصحف لنوع الفكر هى كلمة خاوية من المعنى فالفكر مرجعيته هى ذاته , و الدين مرجعيته هى النص المقدس . فكيف يجتمع الفكر و الدين بأختلاف المرجعيات المحركة لكل منهما , ويكون غالبا المحتوى المعروض تحت كلمة فكر دينى هو محتوى دعوى وخطاب متأسس على الدين فى مقاصده ومسلماته , وتفكر محدود فى اطار عصرى غالبا لقضايا دينية اساسا . لكن هذا لا يعنى انه ليس هناك خطاب فكرى اسلامى ولكن من زاوية الاسلام كفاعلية ثقافية وحضارية عامة وليس من زاوية الاسلام كدين واعتقاد , فالخطاب الكلامى اوالفلسفى او الصوفى او الفقهى فى العصر العربى الوسيط تعد خطابات اسلامية وفى الوقت نفسه الذى يعد فيه الخطاب الكلامى و الصوفى والفقهى خطابات دينية أصيلة يختلف الخطاب الفلسفى باعتباره خطابا فكريا خالصا ولكن يستثمر معطيات الاسلام كفاعلية ثقافية واساس فكرى عام , ومن هنا يمكن ان يطلق على هذا الخطاب الفلسفى صفة الاسلامية لا كخطاب دينى وانما كخطاب فكرى عام مبنى على اطروحات واسس فكرية يمكن تصنيفها بالاسلامية الفكرية . هذا يطرح علينا السؤال التالى ما هو الاساس الفكرى الاسلامى الذى يستخدمه المسيرى ليبنى عليه فكره ؟ وهو الذى يجعلنا نقول على فكره اسلامى ونقول عليه مفكرا اسلاميا , والاجابة كما يحددها المسيرى بنفسه ( فى احدى كلماته الشفوية فى ملتقى المسيرى الرؤية والمنهج واجابة على سؤال عن سبب عداوته مع النتشوية ) هى فكرته الاصيلة عن الدلالة والمعنى والمغزى فهو لا يتخيل كون او وجود لا دلاله له ولا معنى فيه وهى نفسها الفكرة التى تجعلنا نقول على المسيرى مفكرا حداثيا . ولكنه يؤكد على ان فكرة المعنى والدلالة فكرة اسلامية اصيلة , ومميزة للفكر الاسلامى ويؤكد اسبقية الاسلام كحضارة فى طرح فكرة المعنى عن الحداثة الغربية فضلا عن جوهرية ذلك الطرح فى السياق الفكرى الاسلامى فالحداثة باعتبارها كيان متطور ونامى وغير ثابت قد تشك يوما ما فى وجود المعنى والدلالة وهو ما يحدث بالفعل فى عصر ما بعد الحداثة او الحداثة الفائقة اما فى الفكر الاسلامى يبنى المعنى على الثابت و الدلالة على المطلق . وبرغم موقفنا من التصنيف للمفكر الا اننا نقر بانه يتنوع ويتعدد ويختلف المفكرون كل حسب غايته من الممارسة الفكرية ,وقيمه المتبناه فى تلك الممارسة , ونطاق ابحاثه , ونظريته المعرفيه الخاصة . فإذا نظرنا للعنصر الاول الذى هوغاية المفكر والتى هى الدور الذى يحاول ان يلعبه فى الثقافة عموما لوجدنا بعض المفكرين تكون غايتهم تثوير الواقع وتوجيهه و تحريكه والتأثير فيه بطريقة مباشرة , وهؤلاء المفكرون يختلفون عن أولئك الذين يتخذوا غاية اشباع وتحقيق المتعة و الامتاع العقلى والفكرى دون اى غاية او طموح آخر وقد يغرقون فى معضلات نظرية معقدة فى كثير من الاحيان تكون غير ذى مغزى او معنى واقعى فعلى مباشر , ونجد مفكرون أخرون يسعون لتشخيص الواقع بغية اصلاحة وتقديم روشتات مختصرة وعاجلة لعلاج ازماته ومشكلاته الملحة , وكما اوضحنا فانه بأختلاف غاية كل مفكر والدور الذى أختار ان يلعبه فى المجال الثقافى يختلف اسلوبه فى التفكير وفى عرض افكاره . واذا نظرنا للمسيرى من هذه الوجهة لرئينا غايته الفكرية تتمثل فى احداث الوعى الشامل الكلى والموسوعى للواقع حتى يتسنى له اعمال رؤية ما تفيد فى التعامل مع هذا الواقع تفسره وتستشرف افاقه المستقبلية , وذلك عبر اسلوبه واداته الفعاله والمبتكرة فى بناء النماذج المعرفيه , والمفاضلة بينها من حيث قدرتها على تفسير الواقع والتعامل معه ومعالجته . وهذا النمط من التفكير يمكن ان نلاحظ فيه تشابها مع النمط العربى الاسلامى الحضارى , الذى ساد فى عصور الازدهار حيث الرغبة فى الكلية والموسوعية وتعميق الوعى ,والرغبة فى تفسير الواقع ,والوقوف على الجوهر بالمصطلح القديم او العناصر الاكثر تفسيرية فى النموذج المعرفى بتعبير المسيرى . وسوف نتناول الان العنصر الثانى الذى يسبب تعدد وتنوع المفكرين الا وهو القيم المتبناه الخاصة بالممارسة التفكيرية , فنجد هناك المفكر الروتينى التقليدى الذى ينظر للعمل الثقافى بقيمة الكم والانجاز ملخصا فكرا اداتيا كميا فى التعامل مع الفكر , وهناك من يفضل القيمة الكيفية والنوعية والنسبية للعمل الثقافى فنراه دائما يتخذ المواقف الواضحة ويعلى من صوته فى التعبير عن توجهاته واراءه الخاصة وربما يبدوا هذا النوع من المفكرين كمدعى فكر دون اصالة , اما البعض الثالث من المفكرين ونحن نجد المسيرى منهم فهو مهتم بالتوازن بين الكم البحثى (67 كتاب ) والكيف الفكرى كما يبدوا فى معظم اعماله فهو لا يغرق فى التفصيلات ويبتعد عن الرؤية والموقف الفكرى ولا يوضح الرؤية والموقف الفكرى الا من خلال الادوات والانجازات البحثية . بل ويعتقد ان ذلك الحس المعلوماتى افة العلم وذئب من الذئاب التى تترصد للانسان .كما تعبر عن ذلك دراسة المصيرى صائد الذئاب المتلونة لكرمه سامى (1) . القيمة الثانية التى نلفت النظر اليها هى قيمة التواصل الفكرى فهناك فريق من المفكرين لا يهتم بالانصات للاخرين او التواصل الفكرى معهم سواء كانوا من نقاده او مفسروه سواء من السابقين عليه او اللاحقين له , والمسيرى ليس من هذا النوع , واكبر دليل على ذلك كتابه الحوارى حول الحداثة وما بعد الحداثة مع مفكر تونسى كبيرهو فتحى التريكى ,وكذلك فنجد اسلوبه عبر معظم كتاباته الذى لا يتجاهل فيه الطروح الاخرى من مفكرين اخرين . اما القيمة الثالثة التى نود الحديث عنها فهى قيمة الفحص واعادة الفحص المستمر , وعدم الرضا المعرفى , ومحاولة مقاربة الكمال , والمراجعة الفكرية الدائمة , وهو ما لا نجده عند كثير من المفكرين الذين يؤمنون بأفكارهم ويثقوا فيها مهما تكن ويستكبرون عن المراجعة الفكرية وتغيير افكارهم حتى اذا ظهرت امام اعينهم ادلة دامغة على فساد تلك الافكار التى يتبنوها , وهو ما لا نجده عند المسيرى فتحول المسيرى عن الماركسية اكبر دليل على المراجعة الفكرية الدائمة لديه كما ان طول فترات اعداد مؤلفاته وتنقيحهها المستمر لمن الادلة على نزعته للفحص واعادة الفحص المستمر . اما أهم ما يميز المسيرى من قيم فكرية نبيلة فهو الصدق ورفض الخداع بأى شكل من أشكاله فنجده يلفظ الموضوعية الساذجة والسطحية ويدعو للتحيز فى البحث كنوع من الصدق مع النفس ورفض خداعها بأدعاء الموضوعية الجافة و التى لا معنى لها . كما نجد فى كل أعماله ومع ذلك وبروحه العلمية الاصيلة يرفض الاغراق والتطرف فى الذاتية التى لا معنى لها فنجد عنوان كتابه عن سيرته الذاتية مزيل بعنوان فرعى شديد الغرابه : سيرة ذاتية غير ذاتية وغير موضوعية , فهو قد وصل الى نوع من الاساليب تصل فيه درجه الصدق مع النفس لنفى الموضوعية و الذاتية معا, فهو كموضوعى يكون اول من قام بدراسة اليهود واليهودية والصهيونية دراسة تحليلية موضوعيه لا تعمد الى الهجوم الصوتى التى تميز به العرب , وكذلك كمتحيز قام بعملية فضح للخداع الفكرى الذى يمارسه الفكر الغربى ولاسيما الصهيونى واليهودى . وبعد ذكرنا لكل هذه القيم كالفحص واعادة الفحص المستمر و الصدق ورفض الخداع والتواصل الفكرى مع الاخرين و الموازنه بين الكم البحثى والكيف الفكرى بحيث لا يطغى احدهما على الاخر فى اطار رفضه لما يسميه ذئب العصر وهو المعلوماتية والتدفق المعلوماتى الخالى من المعنى نقول ان المسيرى انحاز لكل ما هو ايجابى من القيم وخصوصا من المنظور الاسلامى الاخلاقى الشامل والعام . ثمة طريقة أخرى متبعة فى تصنيف المفكرين الا وهى تصنيفهم حسب نطاق ابحاثهم فاذا نظرنا للمسيرى من هذه الزاوية حيث اتخذت ابحاثه مجالات كاليهود واليهودية والصهيونية ونقد اسس الحداثة الغربية ونقد العلمانية الشاملة والتحيز ونقد الفكر الغربى لكان من اليسير علينا تصنيفه كمفكر أسلامى وخصوصا فى نقده للفكر الغربى ولكن لا يجوز ذلك بصرف النظر عن المنطلق الذى اتخذه فى نقد الفكر الغربى ونقد العلمانية وهو المنطلق الانسانى الهيومانى الذى يأتى المسيرى فى صفه دائما وهو منطلق نتبين مع المسيرى انه اسلامى و اساس ثقافى للاسلام الذى أعلى من شأن الانسان وكرمه . اما عن ما يعطى المسيرى بحق تفرده هو نظريته المعرفية الخاصة ببناء النماذج المعرفية الاكثر تفسيرية للواقع وانتقاء عناصر بعينها ذات دلالة تفسيرية تشكل جوهر الرؤية العامة والنموذج المعرفى , وهنا نجد ايمان المسيرى بالدلالة والمغزى فهو مؤمن بقدرة الانسان على بلوغ التفسير عبر نموذج معرفى وهو نابع من ايمانه بامكانيات وقدرات الانسان. كما نجد ان المسيرى يهتم جدا بتحديد المفاهيم بدقة كعادة باحث مغرق فى الموضوعية فى حين يقدم نماذج معرفية تتميز بالتحيز الذى يزيل عنه المسيرى كل ما هو سلبى . (*) باحث فى الفلسفة – جامعة القاهرة . (1) مجلة أوراق فلسفية العدد 19 ص 45

5- مقال نقدى لأعمال الدكتور عبد الوهاب المسيرى بعنوان     " المسيرى مفكرا اسلاميا " منشور بمجلة أدب ونقد – عدد 277 سبتمبر 2008 . ص40-45 .

بطاقة هوية

فى معنى المفكر الاسلامى

 

ان غاية ما يشغلنى – وعلى مستوى شخصى - من المسيرى , وانا مازلت طفلا صغيرا  أعبث بجوار عتبات البحث و الفكر , هو ماهية ذلك الكيان المتفانى المخلص , الذى يملا الاجواء التى ياتى فيها ذكره , احساسا بمعانى نادرة هى العطاء و المشاركة الفكرية الضخمة , عندما تتعدى– اى تلك المشاركة -  حدود ما تعلمته وايقنته من واقعنا المعاصر , المأزوم فكريا , تتعدى ذلك كله , لعالم اكثر رحابه ومثاليه ,  لم اعتد ان اراه من قبل , هنا سألت الاخرين عن ماهية ذلك الاستاذ ؟ فعلمت انه مفكرا اسلاميا , وعلمت ايضا انه افنى جزء كبير من حياته فى دراسة اليهود واليهودية والصهيونية وكل ما يتعلق بهم , وعلمت ايضا انه اديب ومؤلف قصص للاطفال , وعلمت ايضا انه كان يوما ما ,من من يطلق عليهم ماركسيون , وعلمت ايضا انه ابن بلد وصاحب نكته لا ليضحك عليها فقط بل ليحللها ويستخرج منها حكمة اقترنت بالمصريون وحالهم  , و قراءت له كتب تنتشر بيننا نحن الشباب , ومن كل الاتجاهات الفكرية بيننا , كتب تتكلم عن اليهود واليهودية والصهيونية وفلسطين , او الحداثة الغربية , والعلمانية , و كتب اقرب تتحدث عن رحلته وسعيه العلمى الدئوب , لقد احدث المسيرى شيئا ما فى داخلى وهو ايجابى ويزداد مع الايام انه ان ترى فى عصر ما بعد الحداثه مثال يمكن ان يحتذى , انه ظاهرة فريدة من نوعها – لم ارها فى حياتى التى تبدأ من 1981 حتى الان , فهو من هؤلاء الناس الذين ساهموا فى كسر اهم مقدس كان فى المجتمع المصرى وعاشرته عن قرب وهو " العيب فى الذات الملكية " , لاسمع منه صيحة , خفت كثيرا ان اجاهر بها او حتى احدث بها نفسى ككل ابناء جيلى تقريبا , حتى لوكنت جالسا وحدى وهى كفاية ! . المسيرى مفكرا اسلاميا , ولكن ما معنى هذا , فهذا قول فيه شيئ من الغرابه ! ان يكون مفكرا! وفى نفس الوقت اسلاميا! , وارجو للقارئ ان يستميحنى عذا فتلك متاهة فى عصرنا و فى جيلنا بالتحديد ,  لذا سانشغل فى هذه الدراسه بتحليل معنى كون المسيرى مفكرا اسلاميا , كى اعرف جيدا بطاقة هويتى كمصرى مسلم ,  ربما لاول مرة , ودون لغط ؟

 

ربما انشغلت مرة بقضية انماط التفكير عند المفكرين والعلماء والباحثين والشكل العام الذى يصبغ فكرهم بلون ما , فحددت عددا من الانماط مقسمين حسب الغاية الفكرية للمفكر , ثم عددا اخر من الانماط مقسمين تبعا لنطاق بحث المفكر, وعدد اخر طبقا للقيم الفكرية العامة التى يتبناها المفكر .  

التريكى والفلسفة العربية المعاصرة " نحو فلسفة عربية للتنوع والاختلاف "

 

التريكى والفلسفة العربية المعاصرة " نحو فلسفة عربية للتنوع والاختلاف "



بقلم : احمد حمدى حسن حافظ

    نداء الوجود – على حد تعبير هيدجر – او السؤال الفلسفى الاصيل , الى متى يظل شريدا وحيدا هناك ؟! فى قوقعة الفلسفة المهجورة , حيث الارض تلفظه باسم الدين , والسماء تلفظه باسم التجارة والاقتصاد و السوق , لقد ان الاوان ان تدافع الفلسفة عن نفسها وعن اسئلتها وتعبر بقوة عن الالاف بل ملايين المغتربين والمشردين فى المجتمع الانسانى .

     نادرا ما نبكى حين نقرأ الكتب ولكن كتابا ذا شجون مثل " الفلسفة الشريدة " يجعلنا نبكى باسم حبنا وعشقنا وهوسنا بالفلسفة الحرة الطليقة المنفتحة على تلك الاوهام التى قيدتها - فيما مضى- اوهام الفكر الشمولى الوحدوى اوهام زالت وتزول مع فتحى التريكى وفكره . بدا الوهم فى الغرب عقلانية كلاسيكية وبدا الوهم فى الشرق نداءات لتقديس الهوية والتراث - ايا كان - .

      لكن بمرور الايام وجدت الفلسفة شرعيتها المفقودة عبر ابطالها وما احدثوه من متغيرات عصريه متلاحقه . وفى عالمنا العربى فالتريكى واحدا من هؤلاء الابطال الذين يعملون على استعادة الشرعية لفلسفة متنوعة منفتحة حره بلا حدود . ان طبيعة السؤال الفلسفى اليوم - والذى يطرحه الواقع المعاش- اصبح لا يعرف و لا يتبع التوزيع الجغرافى و المكانى او ما يعرف بالهوية والتراث القوميان , فى ظل ثقافة عالمية واحدة متصله شئنا ام ابينا , فالعالم اصبح متصل معرفى واحد يلعب فيه تراث كل امة دورا عالميا متكافئا فى اطار من احترام التنوع والاختلاف - او هكذا نرجوا -.

و هنا تكمن ازمة وجود فلسفة عربية معاصرة تلبى احتياجات واقع لا يعرف التوزيع الجغرافى او المكانى . لكن التريكى يتجاوز تلك الازمة ليقدم فلسفة التنوع كفلسفة عربية معاصرة , وهى فلسفة لا تنقاد وراء التراث ولا تنقاد وراء الوافد بل هى ابداع عقل معاصر لتنظير وحل مشكلات يفرضها واقع معاصر , فالمبالغة فى تعظيم دور التراث و اعتباره المعطى الوحيد الذى يتحكم فى الواقع العربى , او بقول اخر ينبغى ان يتحكم فى الواقع– كدعوة سلفية - , او اعتبار الوافد شيئا زائدا على الحاجة وخارج نطاق التحكم الفعلى فى الواقع , ولا يتم التعامل معه الا من خلال قنوات مفلتره , اعتبارات تتجاهل الواقع الحقيقى العصرى الذى نحيا فيه , واقع الاختلاف والتنوع و المتصل الانسانى الاوحد , لا يعنى ذلك اننا نكرس لدعوة لتجاهل التراث ونسيانه ولكن دعوة لرؤية التراث من خلال اثره فى الواقع المعاصر ومن خلال كونه نوع من الاثراء النظرى لطروحات كونية عامة خلقتها بيئة مشتركة بين الامم تزداد مساحتها يوما بعد يوم .

 فلابد للعودة - مجرد العودة - الى التراث من اجل تجاوزه بالابداع عبر ما يفرضه الواقع الراهن من اشكاليات مستحدثة. هنا وعلى هذه الارض العربية المعاصرة التى لا تعظم التراث ولا تقدس الوافد , نجد فتحى التريكى بفلسفته الشريدة التى تحتفى بالتنوع والاختلاف , من حيث هى فلسفة للواقع المعاش . و دعوة خاصة لمنهج جدلية العودة والتجاوز للتعامل مع التراث . حيث لا يصبح التراث سلطة بل دعوة للابداع والتجاوز المستمر . و اذا كانت الفلسفة شريدة – او هكذا تبدوا عند التريكى – فهذا يجعلنا نتساءل هل هذه خصوصية ثقافية عربية ام ثقافة عالمية واقعية ؟ وهل يجرؤ اى استاذ للفلسفة افنى حياته في الفلسفة ان يعنون كتاب له فى الفلسفة بعنوان الفلسفة الشريدة ؟ , فقد يصيب العنوان بنوع من اليأس وعدم الرغبة فى اكمال الرحلة مع الفلسفة , لكن اذا كان الواقع الحقيقى ان معظمنا – كمثقفين وغيرهم - من هؤلاء المهمشين المشردين الذى تتضامن معهم الفلسفة باعتبارها مهمشة مشردة مثلهم تناصرهم وتؤيدهم , فعنوان مثل الفلسفة الشريدة لا يؤذى غير هؤلاء الاقوياء الذين يتحكمون فى الواقع ويتسلطون عليه , ويريدون اكمال مكانتهم الاجتماعية بدراسة الفلسفة كنوع من الوجاهة الاجتماعية , اما المهمشين والمقهورين والمغتربين فيتوحدوا مع الفلسفة الشريدة او تتوحد هى معهم لتعبر عنهم خير تعبير .

تلك الفلسفة التى تقر معقولية لا تعسفية ولا سلطوية هى معقولية التنوع . وتحترم الاختلاف والتجاور والتعايش سويا . وليس فلسفة العقل الواحد والكلاسيكى التى تنفى المختلف عنها فى الجنون او احيانا السجون . فالفلسفة فى عصرنا هذا لم تعد اداة لانتاج المذاهب والانساق , وتأسيس المدارس الكبرى والطرق . بل اضحى التفلسف - كما يقول التريكى فى مقدمة الفلسفة الشريدة – " يحتفى بكل لون من الوان التفكيير والتعبير البشرى , مناهضا بذلك كل ديكتاتورية فكرية تحاول – باسم وحدة التفكير – طمس حرية الممارسة الفنية , والعلمية , والتفكرية العامة " (1), لقد اصبحت الفلسفة فى عصرنا هذا فلسفة للتنوع والاختلاف وهذا اكسبها دورا جديدا فى وضع عالمى يحتاج بشدة لقبول قيمة الاختلاف والتنوع , يحتاج لحوار ومعايشه بين الذات والاخر , بين الثقافة المركزية و الثقافة الهامشية , اذ تطمس الفلسفة الشريدة فكرة مركز وهامش وتهدمها من الاساس , لتحول الثقافة لميدان للتنوع لا مركزية فيه . ان الفلسفة الشريدة تعد دفاعا عن الفلسفة او دفاعا باسم الفلسفة لنفى فكرة الهيراركية ,والاعلى والادنى, والمركز والهامش , ودعوة لمنظور اوسع دائرى يتساوى فيه كل شئ فى القيمة على دائرة الاختلاف والتنوع . وارساء لمبادئ فلسفة عصرية مفتوحة امام الممارسة الفلسفية دون اى سلطة تعسفية .

 هكذا تبلورت النظرة الجديدة عند فتحى التريكى لمواجهة قوى الغطرسة والاستبداد والجمود والتقليد , تلك النظرة التى تحل اشكالية الاتباع , سواء للتراث او للوافد وتحل محلها جدلية العودة والتجاوز لمساحات ارحب من الابداع . فالنهضة فى نظر التريكى " تتطلب الانفتاح الحقيقى على كل الحضارات الماضية و الحاضرة ثقافيا واجتماعيا حتى يتسنى لنا تحقيق جدلية العودة والتجاوز , تلك الجدلية التى تضمن لنا فى الان نفسه فهم اوضاعنا الحالية بانقساماتها وتجزئتها وبايجابيتها وبمحاولة البحث عن تأسيس نموذج حضارى عربى لاستنهاض عوامل الصمود والمقاومة والدفاع عن الذات ..." (2) وكذلك يرى التريكى " ان الفكر العلمى والممارسات الثقافية المختلفة خطوة مهمة على طريق معرفة الذات والدفاع عنها بعيدا عن النزعات المدحية والتهويلية او الارتكاسية اليائسة . لهذا يجب ان يكون هدفنا الاستراتيجى القريب هو المسح العلمى الحقيقى للوطن العربى وذلك بابراز عوامل تجزئته الحالية وتصوراته الواقعية لتوحيده توحيدا لا يقضى على خصوصية اقطاره وتنوع اعتقاداته الدينية والفلسفية والاجتماعية وتعدد اقلياته وحرية افراده ." (3)

 وهنا يرسى التريكى قواعد تأسيس النهضة العربية منطلقا من الممارسة العلمية والفلسفية كممارسة ثقافية تستطيع خلق النهضة العربية بتطوير مشروعها الوحدوى المبنى على العقل الموحد لمشروع اكثر رحابة مبنى على العقل المتنوع و اقرار جدلية العودة والتجاوز . حيث يرى التريكى ان ازمة بناء الوطن العربى مازالت حادة رغم ان الوحدة العربية لا تزال تشكل التيار الاساسى فى التاريخ العربى(4) .

 وذلك لاتباعها منطق الفكر الوحدوى الذى لا يسمح بالتنوع ولا يحترم الاختلاف . ومن هنا ياتى الكتاب التأسيسى لإحداث هذا التطور وهو فلسفة التنوع حيث يعتبر التريكى "هذا الكتاب مساهمة متواضعة لاقرار جدلية العودة والتجاوز فى البحث عن البديل الفلسفى – الكائن فى فلسفة التنوع - الذى يمكن ان يخرجنا من بوتقه الجمود" (5) و مبررات قيام فلسفة للتنوع كامنه فى العلم نفسه وفى ما احدثه من ثورات ساهمت فى تغيير منطقية الفكر ذاته , ونقله من اطار الفكر الباحث عن الوحدة والشمول الى رحاب اطار اخر ينبنى على منطق التنوع والتعدد والاختلاف , و يقول فى ذلك فتحى التريكى " فلسفة التنوع هى فلسفة بديلة تأسست على دعائم علمية ابستمولوجية جديدة وانتجت معقولية هادئة ترفض عقلنة الحياة عقلنه تعسفيه "(6) ويشرح لنا فتحى التريكى بشكل تفصيلى ما احدثته تلك العلوم عبر نظريات الفيزياء المعاصرة كالنسبية والكم , وكيف استطاعت تلك النظريات ان تهدم منطق الفكر الوحدوى , هنا يكون المنطلق عند فتحى التريكى نابعا من الابستمولوجيا الجديدة وفلسفة العلم وهو المنطلق المشروع فلسفيا , فالمعرفة تسبق الوجود والقيم او هكذا ينبغى الامر اذا كان السؤال الفلسفى اصيل وغير زائف اى متعلق باشكاليات راهنه وغير شكلية , والغريب انه جرت العادة فى الفلسفة العربية السابقة على التريكى ان يكون المنطلق دائما من القيم لا من المعرفة ولا من نظرياتها , وذلك يبرر رفض البعض لمصطلح فلسفة عربية واحلال فكر عربى بدلا منها , لانها منطلقه دائما من القيم عكس الفلسفة الاصيلة التى تنطلق من المعرفة .

و "المعقول هو الذى يكون قابلا للفهم والادراك " (7) فلنرى مع التريكى كيفية تعامل الفكر الفلسفى مع المعقولية فيما مضى وكيف يستحيل ذلك الان " فالعقل الذى يلم الشتات ويوحد المفاهيم اى هذا العقل المبنى على ميتافيزيقية التوحيد لم يعد يستطيع ان يقدم لنا صورة واقعية للاحداث الطبيعية و الاجتماعية " (8) ان التريكى هنا يشير لازمة العقل الموحد ذلك العقل الذى ادى لتحقيق اغتراب الانسان عن العلم والفكر والفلسفة , بدعاوى من الموضوعية و استبعاد الذات , او بما اطلق عليه العقلانية الكلاسيكية ككابوس سيطر على العلم والفلسفة والثقافة فأدى لاغتراب الانسان عن ذاته, واقصاءه فى الجنون والمجون والسجون .

( و لايمنعنا هنا ان نؤكد على تأثر التريكى بميشيل فوكو وكل الفلاسفة التى يطلق عليهم فلاسفة التنوع والاختلاف .) وهو يشير لزحزحة العلم ذاته لهذه العقلانية الكلاسيكية فى قوله ان " مقياس العلومية الحقيقى لايكمن فى الموضوعية واستبعاد الذات المتغيرة بل فى تقديم شروط نجاح نظرية علمية وشروط فشلها وربطها بميدانها الخاص والجزئى ( اى ما سماه كارل بوبر بالدحضانية) "(9) ويلخص التريكى ذلك كله فى قوله " يظهر الان جليا ان منطقية العقل الموحد غير قادرة على تأسيس هذه التحولات الجزئية فى العلوم والتى بنيت على الكثرة والتغير .

 فبقدر ما كانت العلوم الكلاسيكية خاضعة ابستمولوجيا الى مبادئ افلاطونية تعتمد الاستقرار والتوازن والثبات والتعالى , تظهر واضحة الان معالم العودة الجزئية الى الفلسفة السفسطائية من ناحية والارسطية من ناحية اخرى "(10) ويقول ايضا متنبئا ومستشرفا للمستقبل " ستحل منطقية العقل المتنوع شيئا فشيئا فى محل منطقية العقل الموحد وستكون فلسفة التنوع هى فلسفة المستقبل العلمى ....لانه لا يصبو الى المعرفة الكلية والشامله " (11) وهو يعيد النظر فى ازمة العلوم الاجتماعية والسياسية اذ يعتقد البعض ان " المعقولية الكلاسيكية لم تفقد اهميتها ولم تتدحرج نحو الانحطاط كما يتبادر الى الذهن , بل بقيت فعالة فى الحقول المعرفية التى تهتم بحياة الانسان الاجتماعية والسياسية " وهذا ادى الى " ازدواجية النظام بين معقولية السيادة التى تبقى كلاسيكية توحيدية فى كنهها وممارستها وبين معقولية التوجهات الراسمالية المبنية على التعدد والتنافس والحرية الاقتصادية . ومن ثم يطرح التريكى هذا السؤال كيف تواجه فلسفة التنوع هذه الازمة بالذات ؟ ويفاجئنا التريكى بانحيازة للتنوع فى اجابته اذ يقول ان "الخطأ ناتج اساسا عن هذه النزعة الى الشمول والكلية فالحرية السياسية و الحرية الاقتصادية بتفاعلهما تستطيعان انتاج مقومات الانسان المتحرك والخلاق " ومن هنا ينتقد التريكى كل النظم السياسية الشمولية اذ يفرض لذلك جزءا خاصا من كتابه معقولية التنوع . ان التريكى يرى " مستقبل الفلسفة يكمن فى الانفتاح والتنوع , لانها ستحمى بذلك حقوق الفرد والغير ويتسأل مع ميشيل فوكو :" ما هى اذن الفلسفة اليوم – واعنى النشاط الفلسفى ,اذ لم تكن العمل النقدى للفكر بالفكر ؟ واذا لم ترتكز على عملية معرفة كيف يمكن ان نفكر بوجه اخر والى اى حد , عوض ان نشرع ما نعرفه ونبرره "(12). و يعرض لقول هابرماس كمقابل فلسفى او كتطوير لفلسفة التنوع والاختلاف طارحا تساؤلات هابرماسية مثل هل ستتجمع هذه الكثرة فى التفكير داخل معقولية موحدة تكون اساسا لكل فلسفة مستقبلية ؟ هل تلوح فى الافق فكرة توحيد المعارف ؟ هل يتم انجاز فلسفة منسقه تنفصل عن الواقع المجزاء والمتنوع وتقر فى الان نفسه مبادئ اوليه لتوحيد المعارف على غرار فلسفة كانط ؟ الا ان التريكى لا يجيب الا بقوله " ان التمنطق بالفكر الفلسفى التوحيدى فى عصر هيمنت فيه ايدولوجية الانسان ذى البعد الواحد وفى عالم صناعى يصارع ساعات الاحتضار امام تصاعد المقاومات يبقى السبيل الوحيد للقضاء على حق الاختلاف والتنوع " (13). يعد تأسيس التريكى لفلسفة تنوع عربية , وتطويره للمشروع النهضوى من العقل الموحد الى العقل المتنوع , وعدم تقديسه للوافد واخذه على علته , و عدم تعظيمه للتراث واقرار جدلية العودة والتجاوز المبدعة , والبدء بالمنطلق الابستمولوجى المعرفى فى التأسيس الفلسفى هى العوامل التى جعلت للتريكى مكانه مميزة فى الفلسفة العربية , بل لا ابالغ ان قلت انه خطوة هامة فى تطور تلك الفلسفة , خطوة تؤكد استجابه الفلسفة للواقع واشكالياته . والسؤال الذى يطرح علينا نفسه الان هو ما طبيعة ذلك الفكر الفلسفى عند التريكى الذى يقر التنوع والاختلاف ويرصد فلسفة التنوع ويؤسس لها ؟ وهذا السؤال عن طبيعة الفكر هو ذاته الاجابه فكلمة طبيعة الفكر تلازم التريكى كثيرا فهو يحدثنا عن طبيعة الفكر السوفسطائى وعن طبيعة فكر ابن خلدون وعن طبيعة الفكر الوحدوى والشمولى والماركسى , والاهتمام بطبيعة الفكر او هذه النظرة التى ترجع كل فكر لطبيعة خاصة هى نظرة تحترم التنوع وتسعى لابراز جوهريته وليس المرور السريع من فوقه وتبيان كل شئ بطبائع متماهيه ومتماشيه مع الاخرى فالاهتمام بطبيعة فريدة لكل فكر اهتمام بابراز اختلاف جوهرى , وذلك لا يتسنى لمفكر الا فى حالة احترامه للاختلاف وان لكل فكر طبيعه مختلفه , فاذا انتقلنا من ذلك للنظر فى ماذا يكتب التريكى تحت عنوان طبيعة فكر لوجدناه يلخص الاسس الجوهرية التى ينبنى عليها الفكر ببراعة فهو يعرف الفلسفة من خلال استلهام كل فكر فى طبيعة مميزة له لا تنفصم عنه فليس الفكر مجموعة من المقولات النظرية المنفصمة عن طبيعة جامعة , او جواهر مفردة , وكأن التريكى يملك اداه غايه فى الاهمية فى مجال الفلسفة هى القدرة على استشراف افاق الفكر بتحديد طبيعته الذاتية الداخليه فيه. ويمكننا القول عن فلسفة التريكى فى مجملها انها فلسفة السهل الممتنع فكتبه صغيرة وعباراته سلسة الا ان ما تعبر عنه يحتاج قارئ مثقف ليس فى مجال الفلسفة وحده وانما فى مجال النظرية السياسية وفلسفة العلوم والابستمولوجيا .

 وجدنا ان نقول هذا لاننى عرفت التريكى من خلال ظاهرة قلما نجدها فى عالمنا العربى هى ظاهرة الحوار او الكتابه المشتركة فنحن نرى الحداثة وما بعد الحداثة كحوار بين التريكى والمسيرى ونرى فلسفة الحداثة كعمل مشترك بينه وبين رشيدة التريكى وفى مثل هذه الاعمال نرى معنى الاختلاف الفكرى كقدرة على الممارسة بما تحويه من قيم قبول التنوع والتعدد , الذى يتعدى عند التريكى الجانب القيمى الى الجانب المعرفى الابستمولوجى ذاته . فان كل شيئ عند التريكى يستطيع ان يتعايش سويا ودون ان يغير من طبيعته او جوهره . كل شئ يستطيع ان يتعايش سويا دون ان يغير من طبيعته او جوهره , التراث , الوافد , المركز , الهامش ,سقراط , السفسطائيون.....الخ ذلك هو الدرس الابستمولوجى الاول فى فلسفة التنوع والفلسفة الشريدة وذلك هو الدرس الذى اكده ودافع عنه التريكى درس لا يتأتى الا بفكر فلسفى غاية فى التفتح يعرف حريه حركية لا حدود له , مما يصعب علينا مهمة التصنيف التى تتخذ دائما طابعا اقصائى لفكر الفيلسوف . فهو كما يشير الى ذلك موفق محادين فى دراسته عن فلسفته يجمع بين هابرماس وفوكو وكارل بوبر وابن خلدون اى يجمع ما لا يمكن جمعة وهنا نرى التعدد عند التريكى ليس قضية حضارية وكلمات خاوية ولكنه اساس ابستمولوجى حقيقى يخرج فى ممارسة فلسفية لا تعرف القيود التصنيفية الحاذقه فى مجال الفلسفة الاكاديمية . يقولون ان الافكار التى تغير المجتمعات بسيطة وجميله , هكذا بدا درس التريكى الذى قلنا عنه انه ابستمولوجيا يتجلى على كل اشكال الفلسفة ولا سيما الاكسيولوجيه ليخلق فكرا حضاريا عن التواصل والعيش سويا فكرا يصب فى سلام العالم وهدوئه ورغم ذلك هو ليس فكرا تبشيريا لا اساس فلسفى عميق وراءه , ستظل الفاعلية الثقافيه لفتحى التريكى ممتدة فى عالمنا كحلم او يوتوبيا يحاول ان يجعلها فتحى التريكى بنشاطه الفكرى واقعا حيا وهنا نرى الحداثة لا بل الحداثة الفائقه فى فكر التريكى .

 ونرى الفلسفة العربية سعيده سعادة حقيقية بانه جاء عليها اليوم التى يحتفى فيها بالاختلاف والتنوع , جاء عليها اليوم التى يقر فيه الابداع الحر الذى لا يعرف حدود عبر جدلية العودة والتجاوز .





(1) فتحى التريكى :الفلسفة الشريدة , مركز الانماء القومى , لبنان , د.ت .ص 6 (2) فتحى التريكى : فلسفة التنوع , عيون ,الدار البيضاء , ط2 ,1992 ,ص 5 (3) فتحى التريكى : فلسفة التنوع , عيون ,الدار البيضاء , ط2 ,1992 ,ص14,15 (4) فتحى التريكى : فلسفة التنوع , عيون ,الدار البيضاء , ط2 ,1992,ص7 (5) فتحى التريكى : فلسفة التنوع , عيون ,الدار البيضاء , ط2 ,1992,ص7 (6) المرجع نفسه ,ص 6 . (7) المرجع نفسه , ص9 . (8) المرجع نفسه , ص 10 . (9) المرجع نفسه , ص 10,11. (10) المرجع نفسه , ص 11-12 . (11) المرجع نفسه , ص 13 . (12) المرجع نفسه , ص18. (13) المرجع نفسه , ص20

7– مقال نقدى لأعمال المفكر التونسى فتحى التريكى (استاذ كرسى اليونسكو للفلسفة فى العالم العربى ) بعنوان " التريكى والفلسفة العربية المعاصرة: نحو فلسفة عربية للتنوع والاختلاف " مقدم ضمن الاحتفالية الثقافية لافتتاح كرسى اليونسكو للفلسفة فرع جامعة الزقازيق بالاشتراك مع كرسى اليونسكو للفلسفة بالعالم العربى بالجمهورية التونسية خلال الفترة من26-27 نوفمبر 2008 بجامعة الزقازيق . وقد تم نشر المقال فى مجلة اوراق فلسفية العدد 24 –


2009 و نشر عنوان المقال واسم المؤلف  فى صورة الغلاف .

9- " التريكى والفلسفة العربية المعاصرة: نحو فلسفة عربية للتنوع والاختلاف " مقدم ضمن الاحتفالية الثقافية لافتتاح كرسى اليونسكو للفلسفة فرع جامعة الزقازيق بالاشتراك مع كرسى اليونسكو للفلسفة بالعالم العربى بالجمهورية التونسية خلال الفترة من26-27 نوفمبر 2008 بجامعة الزقازيق .

7- "فلسفة التنوع والاختلاف فى تونس " ضمن ندوة " الفلسفة قى شمال افريقيا" بالمجلس الاعلى للثقافة من 29 – 30 نوفمبر .


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

الاستشراق اليوم [*]!

 الاستشراق اليوم [*]!



بقلم : آدم شاتس تر أحمد حمدى حسن حافظ

      يعتبر كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد أكثر الأعمال عن الاستشراق  تأثيرا في تاريخ الافكار المعاصر ولاسيما  في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما يعد ذلك الكتاب واحد من اكثر الكتب التى يساء فهمها. ربما يكون سبب سوء التفاهم  أنه كتاب  "حول" الشرق الأوسط ؛ على العكس من ذلك الكتاب لا علاقه له بالشرق الاوسط  ، إنه دراسة عن التصورات الغربية للعالم العربي الإسلامي عموما  ، أساء النقاد المحافظون وصف الكتاب   بأنه استنكار بدوافع وطنيه لمجهودات العلماء الغربيين فى دراسة الشرق وثقافته ، متجاهلين ثناء إدوارد سعيد على  المستشرقين الكبار من أمثال ماسينيون ، وجاك بيرك ، وكليفورد غيرتز ، بينما أشاد بعض الإسلاميين بالكتاب نفسه على أساس نفس سوء الفهم هذا ، متجاهلين التزام سعيد بالسياسة العلمانية.

          منذ نشر الكتاب لأول مرة عام 1978 ، أصبحت "الاستشراق" واحدة من الكلمات التي تغلق الحديث وتلجمه وتنهيه في الحرم الجامعي الليبرالي ، حيث لا يريد أحد أن يتهم بأنه "مستشرق" فهذا ضمنيا يعنى كونه عنصري أو متحيز لجنس من الاجناس أو كاره لجنس من الاجناس ، جل ما اراده سعيد  ان يفتح  نقاش حول الطريقة التي كان يتخيل بها العالم العربي والإسلامي من قبل الغرب - وليس لمنع النظر تماما و بوضوح عن مشاكل المنطقة ، والتي كان يدركها بشكل مؤلم للغاية.

         ان عمل سعيد ، أصبح بحد ذاته وثيقة تاريخية عن الاستشراق ، تم نشر كتاب الاستشراق منذ ما يقرب من أربعين عامًا ، في وقت اتفاقية كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر ، والحرب الأهلية اللبنانية ، و قبل الثورة الإسلامية في إيران مباشرة ، وقبل أربع سنوات من غزو أرييل شارون للبنان ، والمذابح في اسرائيل فى مخيمات صبرا وشاتيلا. سعيد ، وهو عضو في المجلس الوطني الفلسطيني كان أيضًا قارئًا شغوفًا لفوكو ، يهدف إلى تأليف كتابه كتأريخ لأفكار الحاضر وهو مختلف تمامًا عن تاريخنا.

           الاستشراق ، في وصف سعيد ، هو " خطاب للأقوياء حول الذين لا حول لهم ولا قوة " ، وهو تعبير عن "معرفة القوة" وهو في الوقت نفسه تعبير عن النرجسية. الاستشراق هو سفير أجنبي في مدينة عربية يقلل من الاهتمام الشعبي بفلسطين ويصور العرب ككتلة سهلة الانقياد لم تستيقظ إلا في عام 2011 ، خلال الثورات العربية ، ثم عادت إلى كونها خيبة أمل لغرب محبب يسعى فقط إلى أن يكون مدرس جيد. إنه "خبير" غربي يختزل الإرهاب الإسلامي في أوروبا إلى سيكولوجية من المحبة ، دون أن يكلف نفسه عناء شرح سبب شعور المواطنين الأوروبيين من أصل مسلم بالعزلة ، ثم إخبار أحد المنتقدين العرب لعمل الغربي بأنه عاطفي بسبب اعتراضه على عرض تقديمي يستند إلى بيانات علمية بحتة ، وأخيرًا يغضب من سوء فهم هذا الشرق العنيد.

       لذا ، فإن الاستشراق لا يزال معنا ، وهو جزء من اللاوعي السياسي في الغرب. يمكن التعبير عنه بعدة طرق: أحيانًا على شكل تحيز صريح ، وأحيانًا كنقطة خفية ، مثل لون النغمة في قطعة موسيقية ؛ تندلع في بعض الأحيان في حرارة الجدل ، مثل الانتقام من المكبوت. لكن الاستشراق اليوم ، سواء من حيث حساسيته أو في طريقة إنتاجه ، ليس هو نفسه تمامًا كما ناقش الاستشراق سعيد قبل أربعين عامًا.

        الاستشراق هو عمل للتاريخ الفكري دون اى اسقاطات سياسية ، يقوم على قراءه لمجموعة هائلة من النصوص الأدبية والعلمية. ولكن ، الاستشراق هو ، على حد تعبير سعيد ، "أسلوب فكري قائم على التمييز بين الوجودي والإبستمولوجي بين" الشرق "و" الغرب ". لم يقل أن صور المستشرقين عن الغرب كانت مجرد خيال. إذا كانوا كذلك ، فسيكون من الأسهل بكثير تفكيكهم وإزاحتهم. على العكس من ذلك ، استند الاستشراق الكلاسيكي إلى عناصر من المعرفة الإيجابية ، وهو عمل كان غالبًا ما يعجب به - في بعض الأحيان ، وحتى مع وجوده - في هدفه. لم تكن مشكلة الاستشراق هي أنها كانت خاطئة من الناحية التجريبية الفظة ، بل كانت جزءًا من نظام استطرادي من "معرفة القوة" ، وهي عبارة سعيد استعارها من فوكو. وكان الهدف من الاستشراق كنظام تمثيل ، واضح في بعض الأحيان ، ضمنيًا في كثير من الأحيان ، هو إنتاج الآخر ، وكان ذلك أفضل لضمان استقرار الذات الغربية وتفوقها.

        بعد كل شيء ، كان كتاب الاستشراق من أهم نتائج حقبة فيتنام ، حيث النخبة الأمريكية قد قادت البلاد إلى مستنقع مستعصي في أدغال جنوب شرق آسيا. كان هناك جيل جديد من الخبراء الذين تلقوا تعليمهم في جامعة آيفي ، كما رآه سعيد ، يضفي الشرعية على المواجهة العميقة لأميركا مع العالم العربي ، خاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين. الاستشراق هو ، في جوهره ، نقد للخبير ومنتج المعرفة حول العالم العربي الإسلامي ، من فلوبير ومونتيسكيو إلى برنارد لويس ودانيال بايبس. فقد فهم سعيد أن الاستشراق كان نظامًا ديناميكيًا ولطيفًا للتمثلات الفكرية  ، حيث كان له مجموعة واسعة من التعبيرات كأسلوب واو طريقة او منهج  ، وبأنه يحمل مرآة تعبر عن عصره. فقد كانت  القدرة على تغيير المعرفة حول الشرق اعتمادًا على السياق السياسي المزامن له  مفتاحًا لمرونته وحيويته.

        فنرى بعد 11 (سبتمبر) 2001 ، ردت إدارة بوش بنوع من الهياج الاستشراقي ، بشرت بتحرير المرأة المسلمة فى افغانستان ،  وتطبيق رؤى رافائيل باتاي ، الخبير النفسى في ما يسمى بالعقل العربي ، تطبيق رؤاه العنصرية فى أساليب التعذيب المستخدمة في أبو غريب. دُعي برنارد لويس إلى "تأجيل غضب المسلمين" في المحيط الأطلسي ، وسافر الصحفيون إلى الضفة الغربية للتحقيق في غضب المفجرين الانتحاريين الفلسطينيين ، ولم يثير أي موضوع الكثير من القلق العاطفي مثل الحاجة إلى تحرير النساء المسلمات.من  الرجال العنيفين ، غير العقلانيين ، المتسلطين ، باعتبارهم مستشرقين كلاسيكين. لم تكن لغة الاستشراق خلال عهد بوش عنصرية بشكل علني دائمًا ، لكنها غالبًا ما كانت تعكس عنصرية قائمة على الاختلافات المفترضة في الثقافة - وهي اختلافات جادل بعض الخبراء بانها تحتاج ردًا عسكريًا ، وكذلك وصاية حضارية في شكل "تعزيز الديمقراطية "

         في عهد الرئيس أوباما ، بدا أن قبضة الاستشراق قد تراجعت. لقد أوضح أوباما ، في البداية ، أنه لم يكن ينوى الصرا ، بل  التعاون مع العالم العربي الإسلامي ، وأبدى إيماءات ترحيبية تجاه إيران وإنهاء احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة. لكن حتى خطاب القاهرة الشهير في عام 2009 تم تصفيته من خلال منظور مستشرق ، وإن كان أكثر ليبرالية وقابلية للتعددية الثقافية. فقد كان يرغب  عدد قليل ولكنه مؤثر  من المستمعين له فى  المنطقة أن  يخاطبهم كمواطنين في بلدانهم وليسوا مسلمين  فقط ، لأن بعضهم كانوا مسيحيين أو ملحدين ، وليس هذا فقط بل لان الدين ليس سوى علامة واحدة على الهوية مجرد علامة واحده ، وهناك علامات اخرى مغايرة لها على الهوية .

         ثم جاء ما يسمى الشتاء العربي. منذ ذلك الحين ، ساعد صعود الدولة الإسلامية ، أو داعش ، وظهور السلفية على استعادة المنشور القديم للاستشراق من الفارق الثقافى الجامد وغير القابل للتغيير ، تماماً مثلما ساعد بكل تأكيد على استعادة الأنظمة القديمة. كما ساهم القادة العرب والمسلمون في إعادة توحيد هذه العدسة المشوهة للاستشراق . وقد كان للأنظمة الاستبدادية مثل مصلحة واضحة في الترويج لفكرة أن المواطن العربي يحتاج ، إلى سلطة صارمة وأبوية ، وغير قابل لتطبيق مفهوم حقوق الإنسان. فهل نستخدم حقوق الانسان مع داعش ، وحماس و تنظيم القاعدة فلابد من  صدام الحضارات الذي لا مفر منه كما عند صموئيل هنتنغتون  ، لطالما كان الاستشراق إنتاجًا مشتركًا بين الانظمة الاستبدادية والغرب الاستعمارى ، رغم أنه ليس كل منتجي  الاستشراق يتمتعون بسلطة متساوية.

        مظاهرات غير عادية  جاءت فى 2011 في شوارع تونس ومصر. أثارت تلك الانتفاضات العربية عددًا كبيرًا من المطالب - الديمقراطية وسيادة القانون والمساواة في المواطنة والخبز والحرية - لكن المطالب الدينية لم تكن من بينها. لقد هدمت هذه الانتفاضات أسطورة المستشرقين بأن الدين هو قوة حاسمة بشكل فريد في العالم العربي الإسلامي ، فقد شجّعوا وأبدوا خيالًا مستشرقًا آخر:  أن الشرق أوسطيين يريدون ببساطة أن يكونوا مثل "نحن" ، ذلك الأنجلو أمريكيون الليبرالية هي الطوائف الطبيعية للمجتمعات البشرية وأن "الاختلاف" في الشرق الأوسط هو انحراف سوف يذوب في النهاية ، بمساعدة من Facebook و Google.

         استمر هذا الاتجاه تحت ترامب ، ولكن كان هناك أيضا تمزق. كنظام من "معرفة القوة" ، كان الاستشراق دائمًا يعتمد على الرغبة في معرفة ، وليس فقط بناء ، أو حتى تشويه سمعة الآخر. شملت القوة الاستكشافية التي أرسلها نابليون بونابرت إلى مصر في عام 1798 ، 122 عالمًا ومثقفًا ، من بينهم حفنة من المستشرقين المحترفين. إن تاريخ الاستشراق غني بقصص الغربيين الذين لا يتنكرون للشرق ، كما لو كانوا يريدون أن يصبحوا شرقين .

       مجرد التفكير في تي. لورنس في لباسه الصحراوي الرومانسي ، أو - على سبيل المثال الأكثر تطرفًا - إيزابيل إبرهاردت ، المستكشف السويسري في الجزائر الذي كان يرتدي ملابس الرجل ، واعتنق الإسلام ، وأعاد اختراع نفسها باسم سي محمود السعدي في مطلع القرن العشرين. وفي المظهر الأكثر حداثة هي الشخصية الخيالية لكاري آن ماثيسون ، ضابط المخابرات المركزية الأمريكية الذي تلعبه كلير دانيس في الوطن ، وتغطي نفسها في عباية وهي تغوص في أزقة السوق.

        لقد اكتسب الاستعمار وحروب الفتح والتدخل "الإنساني". سمعة سيئة  ، لذلك فضل الاستشراق إعادة صياغة الفتوحات العنيفة للغرب باعتبارها تفاعلات متفق عليها: إغراءات ، وليس اغتصابات. القدرة على كسب القلوب والعقول ، و على استيعاب الآخر بالقيم الديمقراطية الغربية. في الإمبراطورية الفرنسية ، كما يجادل بيير جين لويزارد في كتابه الجديد "الجمهورية والإسلام" ، كان الاستعمار "مشروعًا تقوده النخبة الجمهورية المعارضة للدين اصلا ، و كان الدينين أكثر حذراً بشأن التوسع الاستعماري". يضيف ، هذا سبب مهم لأن المعارضين العرب والمسلمين للحكم الفرنسي ينظرون إلى العلمانية الليبرالية بمثل هذا الشك. حتى الاستشراق الذي برر غزو العراق كان له جانبه التصالحي: في أعقاب 11 سبتمبر ، كان جورج دبليو بوش واضحًا في رفضه للأرهاب وليس الإسلام.

    تحت حكم  ترامب ، اختفى الوجه الإنساني للاستشراق. ( قد يبدو هذا شيئًا جيدًا ، بقدر ما يمثل هزيمة للنفاق.)  لكنه شيء أكثر قتامة. في عام 2008 ، كتبت مقالاً في مجلة London Review of Books حول فيلم وثائقي بعنوان Obsession ، تم إرساله في شكل أقراص DVD إلى 28 مليون أمريكي كملحق إعلاني لأربعة وسبعين صحيفة.

        كان فيلم " الهوس " ، الذي ظهر للمرة الأولى على قناة Fox News وتم تمويله من قبل قطب العقارات الأمريكي ومؤيد الليكود شيلدون أدلسون ، مدته ستين دقيقة وكان ادعاءه الرئيسي أن عام 2008 كان مثل عام 1938 ، أسوأ فقط - نظرًا لوجود عدد أكبر من المسلمين أكثر من الألمان في العالم ، وهم أكثر تشتتًا جغرافًا ، عدو داخل وكذلك قوة أجنبية معادية: "إنهم ليسوا خارج حدودنا ، إنهم هنا". كانت نبرة مقالتي كاوية حتى الآن مرتبكة لأنني لم تأخذ هاجس على محمل الجد: بدا من الواضح جدا وغامضة.

 

       في الماضي ، كنت ساذجا. كان الهوس ، إن وجد ، بمثابة نوع من الخوف والكراهية للإسلام والمسلمين الذين جعله ترامب سائدًا وتحول فعليًا إلى سياسة ، ويمثل حظر سفر المسلمين المثال الأكثر وضوحا. ليس للاستشراق في عصر ترامب مصلحة في الترويج للديمقراطية أو "القيم الغربية" الأخرى لأن هذه القيم لم تعد تصدق ، أو تعتبر عقبة غير ملائمة لممارسة السلطة. يتحدث هذا الاستشراق الجديد بلغة الصفقات ، وفي كثير من الأحيان لغة القوة والقمع. إنها تبقي الطغاة العرب في السلطة والشبان الغاضبين من أصل عربي في السجن.

      على عكس الاستشراق الذي حلل سعيد ، لا يتطلب الأمر خبراء مثل برنارد لويس والمغفور له فؤاد عجمي ، وهو باحث لبناني أصبح "المخبر الأصلي المفضل لديك تشيني". قل ما تريده بشأن العجمي ولويس ، لقد كانا كتاباً ومثقفين. من المرجح أن يكون المستشرق اليوم أكثر من غيره الذي يدرس تقارير الشرطة عن المشتبه في أنهم إرهابيون ويحسب درجات التطرف

       الأسلوب القديم للاستشراق - على الرغم من أنه لم يتلاشى تمامًا - أقل فائدة لأولئك الموجودين في السلطة لأنه يعتمد على التعلم التاريخي والأدبي العميق من النوع الذي يعد لعنة لرئيس أمريكي لا يتمتع بالصبر على الكتب . لقد جردت الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أولئك الذين كانوا يُعتبرون يومًا خبراء من الكثير من سلطتهم ، وقامت بدورها بتمكين غير الخبراء وأولئك الذين يصفون مناهضة الفكر كفضيلة وحتى كقوة. لقد أثبتت نتائج نقد الخبرة هذه أنها غامضة في أحسن الأحوال ، لأنها يمكن أن تفسح المجال للجهل والتعصب والعقلانية ، بدلاً من توفير أساس للمعرفة المضادة للهيمنة التي تصورها سعيد.

        إن الاستشراق الحالي ، و الاستشراق لـ Fox News ، و "Eurabia" لـ Bat Ye’or ، و Steve Bannon ، هو استشراق لا يعتمد على منحة مغرضة ولكن على غياب منحة دراسية. إن مركزية أوروبا ، التي تغذي فكرة أن أوروبا تتعرض للتهديد من المجتمعات الإسلامية وغيرها من البلدان ذات الفتحة الخارقة ، هي نظرية مؤامرة غير متخفية. لم ينتشر عن طريق المكتبات والمكتبات ولكن Twitter و Facebook و Dark Web. وتحت حكم ترامب ، تم إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية على غرار الإستراتيجية الإسرائيلية - أي الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية في تعاملها مع العرب والمسلمين - بدعم من اليهود المحافظين وبدعم أكبر من الإنجيليين.

         عنصرية ترامب المعادية للمسلمين غير مسبوقة بالنسبة لرئيس أمريكي ، لكنها ليست فريدة من نوعها في أي مكان آخر. تجدون تكرارات مماثلة لها في فرنسا ، حيث تم نشر خطاب استعماري قديم له جذور باللغة الجزائرية ضد مواطني الجيل الثاني والثالث من أصل مسلم الذين ما زالوا يوصفون بأنهم مهاجرون ، وما زال ينظر إليهم على أنهم غير مهيئين لـ " التكامل "و" الاستيعاب "للقيم الجمهورية الفرنسية للعلمانية. تسمعها أيضًا في الدول الاسكندنافية والمجر وإيطاليا وألمانيا - حقًا ، في جميع البلدان التي ترسخت فيها فكرة "قلعة أوروبا".

        ذا هو الاستشراق في عصر دخلت فيه الليبرالية الغربية في أزمة عميقة ، تفاقمت بسبب القلق على اللاجئين السوريين والحدود والإرهاب ، وبالطبع التدهور الاقتصادي. إنه مستشرق في أزمة ، زائف ، وحاقد ، وغالبًا ما يكون قاسيًا ، مدفوعًا بالكراهية بدلاً من السحر ، مستشرق للجدران بدلاً من عبور الحدود. إن الشكل المناهض للاندماج ، الإسلاموفوبيا من الاستشراق المعاصر يكفي لإضفاء حنين على الاستشراق الغنائي الرومانسي الذي صممه ماتياس إينارد ، برغبته إلى حد ما ، كجسر بين الشرق والغرب في روايته الحائزة على جائزة غونكور لعام 2015 ، كومباس.

       إذا افترض الاستشراق نبرة عدائية متزايدة بكره المسلمون ، فذلك لأن "الشرق" يتزايد داخل "الغرب". هذا ليس صدامًا بين الحضارات ، بل تصادم بين ظاهرتين متداخلتين: أزمة النيوليبرالية الغربية الرأسمالية ، التي تفاقمت التوترات حول الهوية والمواطنة ، وانهيار دولة الشرق الأوسط في الحرب ، والتي غذت أزمة اللاجئين. نتيجة لذلك ، هناك نوعان من سياسات الهوية ، وكلاهما يعكس رؤية مستشرق كاريكاتورية للشرق المسلم ، يغذي كل منهما الآخر: الشعوبية اليمينية من جهة ، والإسلام الجهادي من جهة أخرى.

      الاستشراق الذي وصفه سعيد كان شأنًا في علم الجغرافيا السياسية ، "المعرفة" التي يحتاجها الغرب في عصر الإمبراطوريات والاستعمار. تستهدف الحافة الصعبة للاستشراق الحالي النسيج الهش للسياسة الداخلية ، وإمكانية التعايش ، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة. الذات الغربية ، التي أنتجها هذا الاستشراق المعاصر ، ليست ليبرالية تقيس حريته أو عقلها بسبب غياب أو ضعف تلك المفاهيم في الشرق. وبدلاً من ذلك ، فهو رجل أبيض محزن ، يقف على الأرض ، مع إصبعه على الزناد ، ضد البرابرة الذين نجحوا في عبورها. إنه ليس لورنس العرب أو حتى أمريكا الهادئة ؛ هو هاري القذرة.

         المشهد المعاصر قاتم ، ولا يوجد حوله. ولكن هناك أيضا مقاومة كبيرة للاستشراق وذريته. نراها في انتفاضات المواطنين في الجزائر والسودان ، والتي أظهرت القوة الدائمة للقيم الديمقراطية في فترة من الانحدار الاستبدادي ؛ وظهور حركة متنامية لمعارضة الاحتلال الإسرائيلي ، ترتكز على نفس المثل العليا للعدالة العنصرية التي شكلت الكفاح الأمريكي من أجل الحرية الأسود. في المجال الثقافي ، نسمعها في موسيقى سيد العود التونسي أنور براهم ، الذي أنتج عملاً رائعًا مع موسيقي الجاز والموسيقيين الكلاسيكيين الغربيين ، وفي فرقة فلسطين الحرة الرباعية للملحن جون كينغ ، كل واحدة من حركاتها هي بناءً على الأنماط اللحنية العربية والوحدات الإيقاعية ، وهي مكرسة لقرية دمرت عام 1948.

        لم تكن استشراق سعيد الكلمة الأخيرة في موضوعه ، ولم يكن الهدف منه أن يكون. قرار أنجيلا ميركل بإعادة توطين مليون لاجئ سوري ، وتحالف بوتين مع نظام الأسد يؤكد فشل سعيد في قول أي شيء عن الاستشراق الألماني أو الروسي - وهو أحد الانتقادات الأكثر إقناعاً التي أثيرت في ذلك الوقت. لكن تحذير سعيد حول "التدهور المغري للمعرفة" قد حافظ على قدرته على العقاب. في الأسابيع الأخيرة ، عندما صعدت إدارة ترامب حملتها من الترهيب المالي والتهديد العسكري ضد جمهورية إيران الإسلامية ، تم تذكيرنا بأن "خطابات السلطة ... من السهل جدًا صنعها وتطبيقها وحراستها." شهية جون بولتون للمعركة مع طهران ، هدد أيضًا بـ "إنهاء" إيران على تويتر. ستبقى الحرب بمثابة إغراء طالما أن الولايات المتحدة ترى أن العالم العربي الإسلامي ليس بمثابة نسيج معقد للمجتمعات البشرية المتنوعة ، بل "حي سيء" يحكمه الملالي الإيرانيون والدكتاتوريون العرب والإرهابيون الفلسطينيون وجهاديون داعش.

 

         كما قال سعيد ، فشل الاستشراق كان "إنسانيا بقدر ما هو فكري. لأنه بسبب الاضطرار إلى اتخاذ موقف معارضة غير قابلة للاختزال لمنطقة من العالم اعتبرتها غريبة على منطقتها ، فشل الاستشراق في التماهي مع التجربة الإنسانية ، وفشل أيضًا في رؤيتها كتجربة إنسانية. "إذا كانت" الحرب العالمية على الإرهاب " قد علّمتنا  شيء على مدى السنوات السبعة عشر الماضية  ، هو أن الطريق إلى الهمجية يبدأ بهذا الفشل .

 

 

[*] مترجمة بتصرف من موقع https://www.nybooks.com/daily/2019/05/20/orientalism-then-and-now

مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

محاضرة فى فلسفة الدين للاستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت

 

محاضرة فى فلسفة الدين



 للاستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت

بتاريخ 22/2/2001

نقلها لكم : أحمد حمدى حسن حافظ

أن دوافعى لنشر هذه المحاضرة تتمثل فى دافعين :الدافع الأول : تحية لفيلسوف كبير فى قامة محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة .

الثانى : هو ذلك اللغط الغير مفهوم الذى يروج له شباب مذبذب ومشوه فكريا عبر الفيس بوك عن الدين بدعاوى ان المثقف العلمانى ينبغى ان يكون كاره للدين ومفضل عليه العلم والفلسفة ، وهى دعاوى مغلوطة تحتاج ان نتحدث عن الدين وفلسفة الدين ، ونثقف هؤلاء الشباب فى هذا   المجال .

ونقول عن الدافع الاول : اذا ذكر محمد عثمان الخشت ذكرت وجه باش دائما يدعوا الى التفائل ، التقيت به منذ حوالى ما يقرب من عشرين سنة فى كلية الاداب قسم فلسفة ، وتذكرت كيف يكون الفيلسوف متواضا باشا مرحا ، يدعوا كل من حوله للتفائل والعمل ، وأكثر من ذلك استيقظت ذات صباح على تليفون من الخشت وكان مستشار ثقافى لجامعة القاهرة ويحادث طالب مبتدئ تلفونيا ، يدعونى فيه لان الجامعة رشحتنى للسفر للامارات لتمثيل طلاب جامعة القاهرة فى الملتقى الادبى الاول لطلاب الجامعات العربية والمنعقد فى جامعة العين  بالامارات ، وقد كان ، ولم تكن هناك علاقة سابقة بالخشت،  اكثر من بحث قدمته لاتحاد طلاب جامعة القاهرة عن قيم واخلاق التقدم ، وقد فاز هذا البحث على مستوى الجامعة ، كان الخشت محاضر ذكى يدرك انه امام طلاب وان العملية التعليمة لا تتم من جانب واحد  فلم يكن يلقى المحاضرة دون مناقشه وعصف ذهنى واهتمام بامر الطلاب الذى امامه ، فكان يعرف من يتلقون التعليم على يديه ويناقشهم ويدعمهم و يشجعهم ، فقد قال عنى مرة انى جدع ، ومرة اخرى سألنى عن تقديراتى لانه يتوقع لى مستقبل جيد . واتفق مع دكتور ماهر عبد المحسن فى شهادته حول الخشت والتى نشرت فى كتاب يضم 28 دراسة عن الخشت واعماله نشر حديثا فى 2020 واذكرها هنا :

شهادة ماهر عبد المحسن حول الخشت :

" للخشت شخصية أريحية متصالحة مع نفسها ومع الآخرين ومع العالم".

هو يحمل روح تجديدية منفتحة، و لا يثير الجدل بكتاباته بقدر ما يثير الإعجاب ويدفع إلى التأمل.

حسن حنفي "الباحث ينتمي إلى حضارة جامعة وليست مفرقة، كلية وليست تجزيئية، وكأنه سائر إلى مصالحة بين السلفية والعلمانية حقناً للدماء بين الأخوة الأعداء في عصرنا الراهن". ووصفه "بالباحث الشاب" في مقدمته لكتاب "العقل وما بعد الطبيعة" نظراً لصغر سنه في وقت كتابته للمقدمة عام 1990، الخشت بدأ الكتابة والنشر في مجال الفلسفة في مرحلة مبكرة من حياته، ولأن روح الشباب مازالت تسري في كتاباته حتى الآن.

له أكثر من أربعين كتاباً تأليف وترجمة وتحقيق. وهي كتابات تناولت الأديان المقارنة وفلسفة الدين ، ومناهج البحث ، والقضايا السياسية والاجتماعية والفقهية .

 مفهوم الخشت للفلسفة وهو المفهوم الذي يحرك الخشت يتمثل فى  حرية الحركة التي منحها الخشت لنفسه فجعلته يضع كانط في مكان هيوم، وهيوم في مكان كانط، وجعلته يملك الجرأة على نزع أكثر أقنعة الفلسفة الغربية صلابة ورسوخاً، وهي أقنعة ديكارت العقلية التي قامت عليها الحداثة الغربية برمتها.

وفي مقدمة كتابة "فلسفة الدين" – وهو طبعة حديثة من "مدخل إلى فلسفة الدين" – يطرح الخشت مفهوماً حركياً للدين يضاد به المفهوم السكوني الذي شاع في العصر الحديث عن الدين بوصفه أفيوناً للشعوب، فيقول: "لا يمكن اعتباره أفيوناً للشعوب، لأن الدين ما هو إلا حركة سير الروح الإنساني نحو الروح المتناهي، بمعنى أنه مسار الفكر الذي لا يكتفي بأن يفكر في المادة والحس، بل يقفز إلى عالم المجرد".

محاضرة فى فلسفة الدين

للاستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت

بتاريخ 22 /2/2001

تناولت المحاضرة الاجابة على سؤالين مهمين :

 1 – ما علاقة فلسفة الدين بغيرها من العلوم الاخرى ؟

2 – ما موقف فلسفة الدين من قضية العلاقة بين الدين والفلسفة او بين الفلسفة والدين ؟ وتناولنا نموذجين نموذج كانط ونموذج هيجل :

قضايا اثارتها اسئلة المحاضرة :

1 – التخصص فى الفلسفة : كيف تكون فى الفلسفة تخصصات مثل فلسفة الدين ، فلسفة السياسة ، فلسفة الاخلاق ، فلسفة الجمال ، فلسفة العلوم ، فلسفة الثقافة ، فلسفة الفن ، الفلسفة التطبيقية ؟ ما هى الفلسفة الماورائية لهذا التقسيم بمعنى اخر على اى اساس نظرى نقسم الفلسفة لتخصصات ؟ وهل الفلسفة علم كى يكون فيها تخصص وتقبل التخصص وتخضع لمنهج علمى ؟ ام ان الفلسفة حلقة الوصل بين العلم والانسان فتمثل من العلم ثقافة يتبناها الانسان فى سلوكه ؟ لماذا اخذت الفلسفة سياق والعلم سياق اخر رغم ان مضمونهما واساسهما واحد ينبنى عن الرغبة فى المعرفة سواء فى مجال الانسانيات او الطبيعيات ؟

لقد اصبحت الفلسفة واقعا مستقلا منفصلا عن العلوم بالمنهج وبالمحتوى وان اتفقا فى الموضوع .

2 – قضية الفلسفة والدين من اهم القضايا شعبية فى الفلسفة واكثرها اثارة للمشكلات على المستوى التاريخى الواقعى ، وفلسفة الدين لا تصل لمعنى حاسم فى تلك القضية ، فالموضوع اشكالى اكثر هل فلسفة الدين تدرس الدين من ناحية الفلسفة ام تدرس الفلسفة من ناحية الدين ؟

فى اجابة الخشت على السؤال الاؤل يحدد ماذا يقصد بالعلوم الاخرى التى يتداخل موضوعها مع فلسفة الدين هى 7 علوم

 1 – العلوم الانسانية والاجتماعية -2- علم مقارنة الاديان – 3 – علم تاريخ الاديان – 4 – العلوم الطبيعية – 5 – علم الكلام – 6 – العلوم اللاهوتية – 7 – الفلسفات الدينية .

العلوم الانسانية والاجتماعية : تتناول الدين كظاهرة ، فالتدين الفردى فى علم النفس ظاهرة ، والتدين الجماعى فى علم الاجتماع ظاهرة ، تحللها من منظورها ،  تفسرها ،  ترصد نتائجها وهكذا .....

ولفلسفة الدين فى محاولتها لتفسير الدين تفسيرا كليا ان تستفيد من مناهج العلوم الاجتماعية ونتائجها ومنجزاتها عموما ، الا انه فلسفة الدين ولانها فلسفة لا تاخذ العلم اخذا تسليما ، فهو قابل للتكذيب لديها ولديها حس نقدى فلسفى عالى ازاء نتائج هذه العلوم .

فاذا كانت نتائج العلوم اما ظنية او يقينية فان فلسفة الدين تمحص النظر فى الظنى المحتمل وتختبره ومعظم نتائج العلوم الانسانية ظنية .

مثال : الشعور الدينى يقوى ويشتد وقت الازمات ، اذا اختبرنا هذه النتيجة وحكمنا عليها بخبرتنا نراها فى خضم فلسفتنا ورؤيتنا للنفس والحياة شبه يقينية .

اما ما قاله على سبيل المثال فرويد فى تفسير الدين  بالعقدة الاوديبية " فهو يرى أنللدين منشأ نفسانى مرضى ، فالابناء قتلوا الاب غيرة على الام و بمرور الوقت شعروا بالذنب تجاه الاب ، فبدأت الانا فى تبجيله الى ان تحول لمفهوم الاله ، نرى انه من الظنيات التى لا تحتمل الصواب لانه يعمم حالة مرضية استثنائية شاذة ، كما ان القفزة بين مفهوم الاب والاله شاسعة ، الاب ليس بذرة اله  ما اجريناه فى هذا المثل هو اختبار العلوم .

 اما اذا تحدثنا عن علاقة فلسفة الدين بالعلوم الطبيعية ، فيمكن الاستفادة من النتائج اليقينية للعلم الحديث ، فى تقييم نظرة الاديان للطبيعة والانسان والوجود ، فربما يخطئ دين من الاديان فى نظرته للطبيعة ، ولكنه لن يخطئ فى نظرته الى الله لانه غيب بعيد عن العلوم الطبيعية .

مثال : قال دين من الاديان بان عمر الانسان على الأرض 6000 سنة نأخذ هذا القول ونذهب به الى علماء الجيولوجيا فيوكدوا ان اقل عمر للانسان على الارض هو مليون سنة نفهم من ذلك ان هذا الدين أخطأ فى نظرته للطبيعة .

وكذلك يمكن الحكم على علاقة فلسفة الدين بمقارنة الاديان وتاريخ الاديان اما عن العلاقة بين فلسفة الدين وعلم الكلام

فلسفة الدين تبدأ بداية عقلانية خالصة المنهج البرهانى يقوم على مقدمات يقينية وهى فى ذلك تختلف فى البدء عن علم الكلام

ملحوظة من الممكن ان ينحاز فيلسوف الدين فى نهاية سيرة الى دين من الاديان فبعد التحليل والوصف والتفسير يتبين له ان دين ما احسن من دين اخر الانحياز فى النهاية

علم الكلام علم دفاعى عن العقائد الدينية ضد معتقدات الاديان الاخرى وهو ايضا يدافع عن عقائد الفرقة التى ينتمى اليها كعالم كلام ، اسلوبه جلالي تبريري يبرر باى طريقة اى يبدأ بداية منحازة وكذلك اللاهوت ( علم الكلام المسيحى ) المنهج الجدلى غالب اكثر شيوعا وهو قائم على مقدمات ظنية غير يقينية

مثال من علم الكلام : تكفير البغدادى قرن 6 هــ فى كتاب الفرق بين الفرق لمن يقول بان الارض كروية ، المقدمة ظنية حيث يعتد براى الاغلبية وراى الاغلبية لا يؤخذ فى الحق والحقيقة يؤخذ فقط فى السياسة .

لانه فى كل مرحلة اغلب الناس على خطأ والسبب فى التقدم خروج نخبة من الناس تغير والا اصاب المجتمع الجمود  .

الفرق بين فلسفة الدين والفلسفات الدينية

فلسفة الدين اتعقل ثم أؤمن

التفسير العقلانى للحقائق الدينية والتفسير الكلى للخبرة الدينية أؤمن بالدين او لا ، نتفلسف حول الدين نفسه نحلل العقائد الدينية وتختبرها ، المعيار فى فلسفة الدين (العقل - حقائق العلوم التجريبية - الخبرة )

الفلسفات الدينية وصف لفلسفة من الفلسفات تأخذ الدين كأساس مرتكز لها فى رؤية العالم أومن ثم أتعقل عقل بقيد .

مثال فلسفة اوغسطين الذى كان يدين بالديانة المانوية ( ديانه من ديانات ايران تؤمن ان هناك الهين خير وشر ) ثم دخل فى المسيحية بعد مرحلة شك وكفر ، فهو لم يقم بفحص الدين فحص عقلانى نظرى ، لكنه استند الى الدين وهو مؤمن به . كذلك فلسفة توما الاوكوينى و فلسفة الغزالى عالم دين الايمان منذ البداية

البداية المنهجية وليس الشخصية مثال ديكارت بدايته الشخصية غير بدايته المنهجية المؤسسه لمذهبه بدأت عند انا افكر اذن انا موجود

لاحظ أن الاسلام كدين وهذا فارق بينه وبين بقية الاديان ومن احد اهم وظائف فلسفة الدين اكتشاف الفوارق بين الاديان  ، الاسلام كدين يقول أتعقل ثم أؤمن سبأ الاية 46

 قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ ۖ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿46﴾

الفلسفة الاسلامية هل هى فلسفة دينية أم فلسفة دين

الفلسفة اليهودية والفلسفة المسيحية فلسفة دينية لكن الفلسفة الاسلامية تعبير تاريخى عن الفلسفة ككل فى الحضارة العربية الاسلامية فهى فلسفة دين وفلسفة دينية وهى امتداد للفلسفة اليونانية مع التأثر بالاسلام .

ثانيا : ما موقف فلاسفة الدين من العلاقة بين الدين والفلسفة

اراء ونماذج كثيره سندرس منها

نموذج كانط ونموذج هيجل

اولا : نموذج كانط :

العلاقة بين الدين والفلسفة

وكيف يمكن أن يتفق ( الوحى ) الدين مع الفلسفة ؟

اما توافق: اذا تم تأويل النص الدينى الحرفى تأويلا عقلانيا

اما تعارض : اذا فسر الدين تفسير حرفى

-      التفسير فهم حرفى للنص

-      التأويل البحث عن المعانى غير الحرفية الباطنة فى النص

نذكر حديث كانط عن " الدين العقلى الخالص" 

مبادئ تأويل الكتاب المقدس هذا يتم عن طريق 4 مبادئ

1 – لابد من فهم النصوص الدينية بطريقة تؤدى إلى تنزيه الالوهية

فمثلا " يد الله فوق ايديهم " بالمجاز اليد تعنى القدرة .

2 – ينبغى فهم النصوص الدينية فهما يؤدى لتحميل الانسان المسئولية الدينية للانسان نفسه فقط ، وعدم تحميله لاخطاء أحد من قبله وفى هذا نقد لفكرة الخطيئة الاصلية المتوارثة خطيئة ادم فى المسيحية فى الاسلام لا تزر وازرة وزر اخرى .

3 – لابد ان نفسر العقائد الكتابية تفسيرا يؤدى وظيفة اخلاقية ( حتى تكون عقلانية واذا كان الكتاب نفسه لا يقدم الوظيفة الاخلاقية فان على الفيلسوف ان يعطى تأويلا يكون له وظيفة اخلاقية )

4 – الانسان دوما يحتاج نقطة بداية ليتغير فكانط فهم قيام المسيح على انه رمز لهذه المقوله .

انتقادات كانط

وضع فى ذهنه الكتاب المقدس فهى مبادئ مفصله على الكتاب المقدس لا تنفع لاى ديانه اخرى .

2 – وضع العلاقة فى اتفاق واختلاف

القران بيقول ربنا بيساعد اللى بيساعد نفسه

3 - بعض اللاهوتين اعترضوا على كانط

كتاب كانط النزاع بين كليات الجامعة

الصراع بين كلية الفلسفة ، كلية اللاهوت

اللاهوت قالوا وهجموا على كانط باعتباره لا يصلح الا لكلية الفلسفة اما كانط فرأى انه اذا كان ذلك فعلى اللاهوت ان يبتعدوا عن الفلسفة واتهمه اللاهوت بانه يقدم تفسير صوفى رمزى للكتاب المقدس فرد كانط بانه تفسيرا عقلانيا وليس صوفيا يعمد الى الاحلام و الرؤي و الكشف الصوفى القلبى وهذا ما يقدمه اللاهوتين .

2 - نموذج هيجل فى القرن  19 وهو الاكثر اثارة :

الانسان فى السعى نحو التوصل لمعرفة المطلق ( الله) يمر بثلاث مراحل

الفن حس ، الدين فكرى حسى ، الفلسفة فكر

الفن محاولة ادراك الله تقوم على التصور الحسى للروح

يحاولوا فهم الروح المطلق من خلال الوسائط الفنية

الاديان الوثنية ( تماثيل صور فراعنه يونان عرب جاهلية بابل )

الله روح وليس مادة لذا لا ينفع التعبير عنه بشكل حسى الروح لا متناهى المادة متناهية ( تخضع للكون و  الفساد ) الوعى هنا يدرك ان هناك مشكلة

مرحلة الدين اكثر ارتقاءا تعبر عن الروح المطلق ليس تعبيرا حسيا وانما قائم على فكرة التمثيل استوعب افهم من استعارات كنايات تمثل الروح المطلق الله يشبه المحسوس وفق تمثلات معينه ليقرب فهمه الى الناس سميع بصير يد الله وجه الله تعنى الحقيقة الالهية

الفلسفة تعبير الفكر الخالص عن الله لان الفلسفة تستخدم التجريد لا تستخدم التشبيه ولا المحسوس وهذا ارقى الاشكال للتعبير عن الحقيقة الالهية الشكل والتعبير متفق عندما يعبر عن الله بالمجرد الشكل اتفق مع المضمون .

هل هناك صراع بين الدين والفلسفة :

من حيث الموضوع متفقين الروح المطلق ( الله ) الاختلاف فى طريق التعبير هذا من ناحية الفكرية الخالصة

 اما من الناحية التاريخية فى البداية لم يكن بينهم خلاف عندما كبر العقل استقل قوى بدأ يتمرد على الدين حدث هنا صراع بين الفلسفة والدين العقل ينضج اكثر يدرك ان الدين جزء من العقل فيتوافق مع الدين مرة اخرى

الامثلة كثيرة الحضارة اليونانية قبل طاليس الدين مع الفلسفة بلا تمايز ولا اختلاف ، سقراط الفلسفة تبعد عن الدين ليحاكم سقراط بتهمة افساد الشباب ونشر الالحاد بالدين الشعبى اليونانى ، لم يفهم سقراط وكذلك ارسطو ما بعد ارسطو السفسطائين الشكاك اليونان الرواقيون الابيقوريون.

 السقراطيون الجدد استعادو العلاقة بين الدين والفلسفة

الحضارة الاوربية اغسطس توما الاكيوينى فلسفة القرن 17 و18 صراع مرحلة هيجل وحد بين الفلسفة والدين قرن 19

نقد هيجل :

الدين قام على التمثيل هذا الغاء للفكر الخالص من الدين مثلا الاسلام الدين عبر عن الله بطريقه مجردة " ليس كمثله شيئ " تعالى وتنزه عما لا يليق به سبحانه وتعالى عما يصفون سبحان ربى العظيم سبحان ربى الاعلى

ورغم ذلك لم يحدث تنازل كلى عن التمثيل

لان الدين يخاطب كل المستويات لازم يخاطب كل المستويات المتعددة باساليب متعدده

الفن : الكعبة معنى حسى احتياج الانسان الدائم للرمز رمز مجرد حتى عندما استخدم الفن استخدمه فى تجريده تشكيل هندسى

مثال اخر الديانه البراهيمية فى الهند ليس حسا وليس صورة تجريد مطلق الحقيقة القصوى للوجود برهمة الاساسى .


مكتب الفيلسوف الحر

الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر

مشروع التراث والتجديد : البدايات الثورية والنهايات الروحية

  مشروع التراث والتجديد     : البدايات الثورية والنهايات الروحية بقلم : أحمد حمدى حسن حافظ عضو الجمعية الفلسفية المصرية          إطلقت كلمة ...