اتيقا
الراهن قراءة فى كتابات الاستاذ عطية(*)
أحمد حمدى حسن(**)
· تمهيد :
انه لمن العسير قراءة فكر استاذ تميز بالدقة
فى القراءة , وتمتع بذلك الصبر الذى لا يعرفه سوى من يسعى لاكتناه الوضوح النظرى فى
كل ما يقرأ , وهو فى العادة لا يقرأ الا ذلك النوع من الكتابة فى القضايا الفلسفية
التى تتميز بالغموض والالغاز و الالتباس باعتباره قارئا لنيتشه وما بعد الحداثة , فالاستاذ
الدكتور أحمدعبد الحليم عطية يقدم قراءات تسعى لأن تزيل بعض الغموض عن كل ما يتعرض
له بالقراءة , فلا ابالغ ان قلت انه من أوضح كتاب الفلسفة المعاصرة فى عالمنا العربى
المعاصر , وذلك انما ينم عن نهم عميق وتمثل عاشق لكل ما يتعرض له بالدراسة والبحث
, فهو حريص على الفهم وبالتالى التسلسل المنطقى لافكاره وذلك يساهم فى خلق ذلك الوضوح
النظرى الذى ينشده , و الذى من العسير ان نجده فى كثير من القراءات العربية الحديثة
والمعاصرة .
ان فن القراءة الشاملة التى تحوى كل معطيات المقروء , وتدرك العلاقات المعقدة
بين عناصره , تلخص تلك النزعة الموسوعية و التأويلية لدى هذا المفكر , فهو يسعى جاهدا
لاحتواء الزمان بعناصره الثلاث الماضى والحاضر والمستقبل . فلو تتبعنا الاهداءات فى
اهم ثلاث كتب اخلاقيه لديه , وجدناها تعبر عن ذلك على النحو التالى فى اهداء الكتاب
الاول " دراسات فى الاخلاق " يقول " الى استاذى الدكتور أبو الوفا التفتازانى
مثالا ونموذجا وواقعا حيا للخلق الاسلامى " (1) وهو يتمثل و يحتوى من خلال الاهداء
الجيل السابق عليه من اساتذته – وهو الشئ الذى ربما توقفت عنده كثير من الاهداءات فى
الكتب ولكن يتميز ذلك الاختيار لابو الوفا التفتازانى استاذ التصوف الاسلامى – بانه
يحتوى من خلاله ذلك الفكر الذوقى الاسلامى الاصيل فى تراثنا العربى فكر التصوف والتفتازانى
احد اساتذته الذى كتب عنه دراسة شاملة . فضلا عن ان للاستاذ عطيه كتاب تذكارى عن استاذه
توفيق الطويل استاذ الأخلاق , الذى أهدى إليه كتابه فى القيم أيضا , بالاضافة إلى دراسات
عديدة عن بقية اساتذته (2) . وجاء أهداء الكتاب الثانى " الاخلاق فى الفكر العربى
المعاصر" " إلى جيلى الذى تتعدد أسماءه ورموزه , والذى يحلم بثقافة جديدة
للواقع تعيد صنعه أفضل " (3) وهو يتمثل و يحتوى بهذا الأهداء جيله وقلما نجد مثل
هذا الاهتمام لدى الكتاب انه تعبير عن ذلك الحلم المشترك لواقع افضل الذى ربط بينه
وبين جيله انها محاولته لاحتوائه الحاضر واللحظة الراهنه دائما . ويضئ لنا هذا الاهداء
حرص الاستاذ على العمل الجماعى وتقريب هذا الجيل فى جهد فلسفى مشترك , نادرا المثل
يظهر فى "أوراق فلسفية " والكتاب التذكارى عن اعلام الفكر العربى المعاصر
, من اصدارات أوراق فلسفية . واهداء الكتاب الثالث " الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات
اخرى " " إلى طلابى فى قسم الفلسفة بآداب القاهرة أقدم هذه الدراسات لعلها
تكون عونا لهم فى تكوين رؤية نقدية واعية للانسان فى هذا العصر "(4) انه يحاول
هاهنا ان يحتوى جيلا اتى من الطلاب ( اننى واحدا منهم ) لا يهدف من خلاله لتنميطهم
بل يهدف لخلق رؤية واعية ونقدية فيهم ويخاطب من خلالهم العصر ايضا . وقد ترجم ذلك عمليا
فى تشجيعهم على الكتابة والمشاركة فى الندوات الفلسفية المختلفة التى ينظمها .
فالقراءة
الشامله للواقع تطلبت من الاستاذ عطية ان يجمع ثلاث اجيال جيل سابق له يمثل الاساس
والتكوين , وهو يظهر أوضح ما يكون فيما كتبه تحت عنوان " الخطاب الفلسفى فى مصر
" (5), و جيله الذى يمثل الحاضر واللحظة الراهنه التى يدعو لها وهناك جيل اخر
هو جيل الطلاب , أو المستقبل الذى يراهن عليه أستاذنا(6) , يبدو هذا فى كل فكر الدكتور
عطية ليس مجرد حوارا للاجيال بل ضرورة تداخل كل جيل مع الاخر فى العمل , وتقريب الماضى
والمستقبل فى اللحظة الراهنة , تلك اللحظة التى يبدو انها تشغل الاستاذ كثيرا , لن
اتحدث عن جهوده العملية المضنية التى رأيتها منه لتحقيق ذلك التقريب فانا احد تلاميذه
ولكنى ساتحدث عن ذلك من خلال فكره النظرى وعبر دراساته الاخلاقية , ابتداء من العصر
اليونانى ومرورا بالعصر الاسلامى والعصر الحديث حتى الفلسفة المعاصرة (7).
1 – الأخلاق
اليونانية و الاسلامية والحديثة ...... النظرة الشمولية .
فهو يبدأ بتتبع الاخلاق فى
العصر اليونانى بدراسته عن الاخلاق الارسطية(8) ولكن هل ينسى الاستاذ اللحظة الراهنة
عندما يتحدث عن العصر اليونانى؟ ابدا .. فهو يتساءل "لماذا ارسطو اليوم"(9)
فى مقدمة دراسته . ثم ينتقل للعصر العربى الاسلامى وهنا لا يبحث عن الاخلاق فقط بل
يبدو وكانه يبحث عن ذلك العصر باشكال مختلفة , ذلك ان الاهتمام بالفلسفة العربيه جزءا
من تكوينه , فهو يبحث عن الاخلاق فى النسق العربى الاسلامى عموما وليس فى الفلسفة
, مع دراسته لها من خلال المستشرق دى بور فى مطلع كتابه دراسات فى الاخلاق(10). دى
بور الذى ينهى دراسته عن الاخلاق فى النسق الاسلامى بفقرة بعنوان الحالة الراهنه, وهى
اللحظة التى يسعى ان يتعمقها ,وهذه اول ملحوظة هامة , اما الثانية انه ينشر مع الدراسة
عن دى بور ترجمة لدراسة دى بور نفسها, يعكس شغفه بالدقة و الوضوح وتواضعه العلمى اذا
يفتح المجال لمزيد من التصورات حول دراسة دى بور عن الاخلاق والحياة الاخلاقية عند
المسلمين ولا يغلق الباب بدراسته , كما سيفعل فى الكثير من كتاباته المقبله (نشر النص
الاصلى مع تحليلاته وتعقيباته الخاصة ) , اما الملاحظة الثالثه انه وكمترجم يقدم نص
بالعربية لاول مره يتم فيه تناول الاخلاق لا من منظور فلسفى فقط وانما من منظور النسق
الاسلامى ككل والوضع الراهن, وكذلك سنرى الاستاذ يتتبع تلك المواطن التى سكت عنها التاريخ
باسلوب حفرى تنقيببى مستوحى من اشارات ما بعد حداثية تعود لميشيل فوكو , كما يبحث بشكل
اخر فى امتداد الفلسفة الارسطية فى الفلسفة الاسلامية الاخلاقية فى دراسته عن الاخلاق
الارسطية(11) . اما الدرة الفريدة فى الفلسفة الأخلاقية الاسلامية التى يقدمها لنا
الاستاذ أحمد عبد الحليم عطيه فتتمثل فى ترجمته الشامله لفيلسوف قد يكون ابتعد عن الذكر
بشكل واضح ومكثف فى الخطاب التاريخى للفلسفة الاسلاميه هو العامرى من القرن الرابع
الهجرى(12) وهنا نقول ما قلناه عن ما يميز الاستاذ من اسلوب فريد فى الحفر والتنقيب
فى التراث بل لا يكتفى بمجرد ترجمته للعامرى متاثرا بتناول اركون له فى اطار النزعة
الانسانية فى الفكر الاسلامى , بل يقدم لنا دراسة عن الفكر السياسى والاخلاقى لديه
عبر اسلوبه فى تتبع القضايا التى اثارها العامرى فى حياتنا الفكرية الراهنة المعاصرة,
ويقدم لنا تحقيقا لكتابه السعادة والاسعاد, ودراسة تحليلية له(13) . وكعادته فى اقتحام
واكتشاف مناطق مجهولة فى تراثنا يقدم لنا دراسة عن وضعية المرأة عند ابن رشد(14). ذلك
الموضوع الذى لم يهتم به احدا من قبل , ويعالج فى ثنايا البحث قضية : ابداعية ابن رشد
لا اتباعيته , ونرى فى هذا البحث ابن رشد الذى لا يعارض امامة المرأة ولا توليها للرئاسة
, و هو فى هذا البحث يريد ان يقنعنا انه يكتفى بتسليط الضوء للكشف عن وضعية المرأة
عند ابن رشد باعتبار ان اللحظة الراهنة فى عالمنا المعاصر يطرح فيها موضوع المرأة بشدة
على الساحة الاجتماعية , بل والاخطر انها لم تعد مجرد قضية بل اصبحت نزعة شاملة هى
النزعة النسوية , والتى شكلت احدث فلسفة وهى الفلسفة النسوية , ويعد هذا البحث مشاركة
فى ركب اللحظة الراهنة , لكننى اراه تعدى تسليط الضوء والبحث الاستطلاعى لبحث تحليلى
عن رأى ابن رشد فى المرأة , لانه ببساطة قادر على ذلك من خلال دراسته عن الاخلاق عند
ابن رشد ودراسة علاقة السياسى بالاخلاقى(15), والذى قام فيها بنشر نصوص ابن رشد و ترجمات
ليبرمان تحوى مقتطفات الاصل العربى المفقود لشرح ابن رشد الوسيط للاخلاق النيقوماخية
واثر ذلك فى الادب العبرى القديم . ويحتوى العمل كثير من القضايا الجديرة بالمناقشة
والحوار , علينا التوقف امامها , الا اننا لا نريد ان نقطع السياق الذى نحن بصدده
.اننا اثناء بحث الاستاذ فى العصر العربى الاسلامى لا ننسى اننا امام استاذ فى الفلسفة
الحديثة والمعاصرة وهذا يبرر انشغاله باللحظة الراهنة اثناء بحثه فى ذلك التراث . وينتقل
الاستاذ عطية للبحث عن الاخلاق فى الفلسفة الحديثة عند ابو الفلسفة الحديثة ديكارت
فى دراسته الاخلاق الديكارتيه(16) وهى ليس دراسه لعرض الاخلاق الديكارتيه , بل هى دراسه
اشكاليه حيث تطرح الدراسة هذا التساؤل هل لدى ديكارت فلسفة اخلاق اصلا ؟ ذلك ما يراهن
عليه الاستاذ من خلال تحليل مبتكر للاخلاق المؤقته عند ديكارت ومكانة علم الاخلاق عنده
كقمة للعلوم واخيرا يعامل ديكارت لا باعتباره فيلسوفا عقلانيا بل باعتباره فيلسوفا
اراديا وجوديا حين يتحث عن التحليل الديكارتى للانفعالات والسيطرة عليها, كما قلنا
يهتم الاستاذ بالمناطق المجهولة فى الأخلاق الحديثة , والحقيقة ان هناك جانبين هامين
لم يجدا الاهتمام الكافى من الباحثين لدى ابو الفلسفة الحديثة هما السياسة والاخلاق
, ولا يعقل الا يكون لأول فيلسوف فى العصر الحديث أسهام فيهما , والقضية المعالجه هنا
فى هذه الدراسة هى الاخلاق الديكارتية كقضية اشكالية . كما ينقب ويحفر الاستاذ عطية
ويكتشف محاضرات فى علم الاخلاق بالجامعة المصرية وينشر محاضرات 1918 -1919 عن فلسفة
الضمير عند بطلر ومحاضرات عام 1919 -1920 عن كانط للكونت دى جلارزا الاسبانى (17) وهو
من الاساتذه الذين قاموا بالتدريس بالجامعة المصرية ويرجع للاستاذ فضل الكشف عن جهوده
فى الدرس الفلسفى بمصر وقد ترجمت اعماله عنه الى الاسبانية واقيمت الندوات حولها ,وهذه
المحاضرات لها اهميتها الكبرى باعتبارها محاضرات تمت مع بدايه الجامعة المصرية , لابد
وانها اثرت فى الاجيال اللاحقة , خاصة لدى الاساتذة الرواد مثل عثمان امين وتوفيق الطويل
, وبالتالى اثرت على الفكر الفلسفى العربى المعاصر الذى يهتم به الاستاذ عطيه بشكل
كبير وسنتكلم عن هذا الاهتمام لاحقا (18). وكما هى العادة فى البحث عن المناطق المجهولة
تاتى دراسة الاخلاق الهيجلية والتى تعد دراسة مقارنة فى بعض نواحيها بين كانط وهيجل
كما تعد عرضا للاخلاق الاجتماعية عند هيجل وهى تستخدم منهج تطورى لدراسة افكار هيجل
الاخلاقية . و قد جاءت فى سياق ترجمته لكتاب وولش عن الاخلاق الهيجليه الذى اضاف إليه
فى طبعته الثانية الفصول التى تناول فيها جورج لوكاش أخلاق هيجل فى كتابه هيجل الشاب
(19). حاولت فيما سبق ان اعرض بشكل مقتضب للغاية جهود ودراسات الاستاذ الدكتور عطية
فى البحث الاخلاقى التى تبرز الجانب الشمولى والرغبة الموسوعية فى تتبع واحتواء الاخلاق
عبر تاريخها , وهنا تظهر تلك النزعة العربية التى تهتم ببيان الأنجاز العربى الأسلامى
فى العصور الوسطى وما قام به الفلاسفة والعلماء العرب فى هذه الحقبة ليس من منطق تمجيد
الماضى بل بيان الجهد الحضارى العربى الاسلامى , وتوقف د.عطية خاصة عند المناطق البكر
للدراسة الاخلاقيه , فهو لا يكرر موضوعات سبق دراستها بل يسعى الى اكتشاف تلك المناطق
التى لم يتوقف عندها غيره من الباحثين , الا ان الفكر الاخلاقى عنده انما يعبر فى جوهره
عن الاخلاق الفلسفية العربية فى عصر الحداثة الفائقة وما بعدها , وان كانت هذه الروح
تسود فى الدراسات التى تناولناها سابقا الا انها لا تتحقق بالشكل الموضوعى المباشر
الا من خلال دراسته عن الاخلاق النيتشويه واخلاق ما بعد الحداثة فضلا عن دراسته التحليلية
المطوله للاتجاهات الاخلاقية الراهنه فى الفكر العربى المعاصر , وقبل ان اتحدث عن هذه
الدراسات وجدت من المفيد الحديث عن السمات الفكرية التى تعبر عن فكر الاستاذ وهى فيما
ارى ثلاث : هناك سمة عربية تتمثل فى اهتمامه – غير المعلن - بتأسيس فلسفة عربية معاصرة
, وهو ما تقاطع مع نزعة تنويرية حداثية واضحة باعتبار الاستاذ يجيد فن القراءة الشامله
– كما تبدو ايضا من اهتمامه بالاخلاق فى الفكر المعاصر بشكل جوهرى تبدوا تلك السمة
التنويرية اكثر فى خصيصة يتميز بها الاستاذ هى الثقة بالانسان وبقدرته على تحقيق ما
يصبو اليه ويريده وهذا ما نجده نظريا فى كتاباته عن الاخلاق النيتشويه بشكل جوهرى ودراساته
الاخرى بشكل عرضى , وعمليا نجده فى دروسه عندما نعلم انه ليس استاذا للفلسفة بشكل مدرسى
بل يقدم لطلابه تلك القضايا ذات الطابع الاشكالى , ويطالبهم بان يكونوا على نفس المستوى
فى الحوار والنقاش والنقد , ويثق فى ذلك , فهو يهدف الى تعليمهم التفلسف وليس تاريخ
الفلسفة . وقد اشرنا لخصيصة بحثه من العقلانية والنقد والوضوح النظرى والبناء المنطقى
وهى نزعات تنويريه , اما السمة الثالثة والاهم فهى تلك السمة المنهجية المعاصرة للحفر
والتنقيب فى تاريخ الفلسفة وبحث مواضع الندرة التى سكت عنها الخطاب الفلسفى التاريخى
, وهذه السمات جميعا تصل بنا الى ما نريد التاكيد عليه هنا و هو انشغاله الدائم باللحظة
الراهنة, التى يحاول رصدها من اجل اعادة صياغة و صناعة الواقع واستشراف المستقبل ,
وكذلك نجد السمة العربية كهوية لديه فهو ينشئ مجالا رحبا واسعا للفلسفة العربية ويقوم
بدراسه اعلامها لتبقى وتدوم من خلال هذه الدراسات ,ويتاسس عليه المستقبل فهو يناقش
الاخرين ويحاورهم نظريا ان كانوا من جيله, ويقنن تجاربهم ان كانوا من السابقين عليه
, وهنا ياتى كتابه عن الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر ليثبت ان مجال الفلسفة العربية
المعاصرة مجالا مشروعا للبحث والدراسة فضلا عن كتبه التذكارية عن اعلام الفلسفة العربيةالتى
يتناول فى ثناياها جهودهم فى البحث الاخلاقى .
2 – الأخلاق فى الفكر العربى المعاصر
......نظرة طموحة .
قليلون هم فى واقعنا الثقافى المعاصر الذين يراهنون على مستقبل
مشرق للفلسفة العربية , فوسط اجواء ثقافية مشبعة بالتشاؤم وفقدان الامل والانهزامية
يطل علينا الاستاذ عطية بدراسته المطوله عن الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر ليثبت
بها ان فقدان الامل والاستسلام للواقع جريمة لا تغتفر فى حق التنوير الحقيقى , وخيرا
من ان نلعن الظلام ينبغى علينا ان نضيئ شمعة , وهكذا كانت هذه الدراسة تلك الشمعة
, كنموذجا للتنوير الحقيقى الذى لا يعرف اليأس ,فالتنوير رسالة للامل ومراهنة على خلق
مستقبل منير , فدعه يعمل , دعه يمر هو شعار التنوير الحقيقى لديه وهو ما نجده عند احمد
عبد الحليم عطية فى جهوده العمليه لتاسيس فلسفة اخلاقية عربية . ولا شك ان كثيرا من
المثقفون والمفكرون فى عالمنا العربى يتحدثون عن التنوير بشكل غربى تماما منكرين الجهود
العربية فى خلق فلسفة خاصة وهو حديث ينتهى بهم الى تشخيص الواقع الظلامى والاستسلام
له , او العمل الفردى فى جزر منعزلة لمقاومة قوى الظلامية والتخلف , ولكن لا يقيمون
مشروعا تنويريا قائما على تواصل الجهود الفكرية والخبرات الفلسفية العربية لان مثل
هذا يتطلب قدرا كبيرا من التسامح ونكران الذات , ف"الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر
" قائم على مبدأ التواصل ؛ وتأسيس جهد على جهد اخر, ونحن تعلمنا فى عالمنا العربى
العمل الفردى لا الجماعى , فالتواصل يتطلب قدرا من التسامح ونكران الذات لا نجده عند
هؤلاء المثقفين الذين يتشدقون بالتنوير ككلمة لا كفعل ومشروع واقعى . ويحاولون ان يبدوا
ان لهم السبق فى بذر البذور الاولى لفكر عربى ولا يعترفون بالاخرين من جيلهم او اجيال
سابقة عليهم . وبرغم كل ما يقال من دعوات متشدقة عن عدم وجود فلسفة عربية , وانها مجرد
فكر لا يرقى لكونه فلسفة , وهذا ما هو الا فقدان الثقة فى انفسنا , الذى عمقته التبعية
والمركزية الاوربية والاستعمار , ففى الغرب يهتمون بصناعة نجوم للفلسفة والفكر اما
عندنا فنهتم بوءد اى مفكر تعلو هامته ولو قليلا من باب عدم الثقة بالنفس , يختفى ذلك
الشعور مع الاستاذ عطية لاسيما فى كتابه المذكور بالاضافة إلى كتبه الجماعية عن أعلام
الفكر العربى المعاصر فى المشرق والمغرب بالاضافة الى مصر , فتراه يهتم ببيان عدد من
التجارب الفلسفية الاصيلة لمفكرين عرب بل يتناول دراسات جادة عن فلسفاتهم . والكتاب
الذى نحن بصدده يحلل جهود عدد من الاسماء العربية فى مجال الاخلاق والاتجاهات الاخلاقية
فى تسع فصول . يتناول فى اولها تيار الاخلاق اليونانية كما بدا عند أحمد لطفى السيد
, واسماعيل مظهر , ونجيب بلدى, واذا كان محور عمل لطفى السيد فى دراسته الاخلاقية هو
ارسطو باعتباره الاصل للفلسفة العربية فى العصر الوسيط , الذى يطمح لطفى السيد لان
يقدم لها امتدادا معاصرا فان عمل اسماعيل مظهر هو مقابل لعمل لطفى السيد على الاتجاه
المعاكس لفلسفة ارسطو كما يتضح فى تناوله لفلسفة اللذة والالم عند القورينائيون , و
لقد اهتم المغاربه كثيرا بنجيب بلدى الذى قدم فى كتابه مراحل التفكير الاخلاقى محاولة
اخلاقية تتميز بالابداع والاصاله وليس مجرد تأريخا بمعنى الكلمة . فاذا كنا نعرف لطفى
السيد كسياسى ليبرالى بارز ومن اعلام الجامعة المصرية والمعبرين عن استقلالها فان الاستاذ
عطية ارانا منه جانبا اخر هو الفكر الاخلاقى لديه ومن هنا تنبع اهمية دراسة الاستاذ
عنه , كما ان كشفه عن جهود اسماعيل مظهر ونجيب بلدى يعد بالعمل المحمود للاستاذ . ويتناول
الفصل الثانى باكمله من الكتاب الدراسات الحديثة للاخلاق عن أحمد أمين والذى يقول عنه
الاستاذ " اذا كنا نتفق مع طه حسين فى قوله ان أحمد أمين صورة صادقة لوطنه الخالد
,فانه يمكننا ان نقول ان كتابه الاخلاق مرآة لثقافة أحمد أمين بمختلف فروعها وروافدها
التى هى نفس الصورة للثقافة فى مصر فى هذه الفترة " (20) ثم ياتى الفصل الثالث
ليتناول فيه الاستاذ تيار الاخلاق الاجتماعية كما ظهرت عند كل من منصور فهمى , و عبد
العزيز عزت , والسيد محمد بدوى , وقبارى اسماعيل , ولقد كانت هذه الاسماء بمثابه صدمة
لى - وارجو ان لا يكون حالكم مثلى - فانا لا اعرف من هم هؤلاء . ولكنى علمت ان منصور
فهمى من أوائل من قام بتدريس الاخلاق فى الجامعة المصرية , وانه من النادر وجود دراسات
عنه رغم اهميته كرائد لدعوة الاخلاق الاجتماعية فى الفكر الاخلاقى المعاصر تابعه رعيل
ثانى تمثل فى اساتذة الاجتماع الثلاث ابتداء بعبد العزيز عزت وانتهاء بقبارى اسماعيل
. وياتى الفصل الرابع للكتاب للتيار الاخلاقى الوجودى فنرى دراسة متميزة عن عبد الرحمن
بدوى , ولا ننسى ان الاستاذ عطيه قد حرر كتابا تذكاريا عن بدوى بعنوان طبع عدة طبعات
, كما له دراسة بها نصوص مثيرة وجديدة عن بدوى وثورة يوليو الا انى لن اتطرق اليها
لانها فى السياسة وموضوعى هو الاخلاق . ثم يتابع الاخلاق الوجودية عند ما سمى بالاخلاق
المشخصة لدى المفكر السورى عادل العوا, وينتهى الفصل مع زكريا ابراهيم واخلاقه الوجودية
المبدعة فى زمان وعصر ساده الفكر الاشتراكي , والاستاذ زكريا ابراهيم من اكثر من تأثر
بهم الدكتور عطيه . ثم ينتقل الكتاب فى فصله الخامس لدراسة الاخلاق الوضعية عند الدكتور
زكى نجيب محمود بعنوان " الاخلاق والقيم بين الوضعية المنطقية والمدرسة الانفعالية
" وقد شارك الدكتور عطية بهذه الدراسة فى كتاب تذكارى عن زكى نجيب محمود صدر
1995 فى القاهرة عن المجلس الاعلى للثقافة , وهى دراسة كبيرة كما وهامة كيفا . الفصل
السادس للاخلاق العقلية عند توفيق الطويل , وهو من أكثر الاساتذة تاثيرا فى الاستاذ
عطيه على المستوى الروحى والعلمى, وهو رائد للفلسفة الاخلاقية فى العالم العربى المعاصر
. ثم تاتى "الاخلاق القومية فى فلسفة زكى الارسوزى الاخلاقيه فى الفصل السابع
" يليه فصل عن الاخلاق الفلسفية الاسلامية يتناول : – جهود محمد يوسف موسى فى
فلسفة الاخلاق فى الاسلام وصلتها بالفلسفة الاغريقية – أحمد صبحى ونسق للفلسفة الأخلاقية
فى الفكر الاسلامى متميز عن النسق الارسطى – تحديد ماجد فخرى لمعالم الفكر الاخلاقى
العربى وبيان مراحله – سحبان خليفات ومعالم التفكير الاخلاقى -بيان ناجى التكريتى
"للفلسفة الاخلاقية الافلاطونية عند مفكرى الاسلام " – عبد الحى قابيل فى
"المذاهب الاخلاقية فى الاسلام "-السعى لتوسيع دائرة المنابع أو المصادر
التى يستقى منها الدارسون عناصر "الفكر الأخلاقى فى الاسلام " – الربط بين
العقيدة والاخلاق كما لدى أساتذة أصول الدين " (21) اظن من هذه العناوين يتضح
كم هى دقيقة محاوله الاستاذ لاكتناه اى فكر عربى أخلاقى . وقد خصص الفصل الاخير للاخلاق
القرآنية وخصوصا لدى العديد من اساتذة وخريجى دار العلوم والازهر , فالاستاذ أحمد عبد
الحليم عطية يمد مجال الفلسفة الاخلاقية ولا يقصره على القلائل ,بل يقراء فى اى جهد
أخلاقى ربما ينكره البعض كفكر فلسفى بالمعنى الدقيق ويصفونه بالفكر الدينى , ويحرمونا
من التواصل العلمى , فهنا نرى الاستاذ يؤسس لأخلاقيات حوار علمى عربى فى سلوكه هذا
الذى لا ينكر الفكر الدينى الاخلاقى .
3 – الأخلاق النيتشويه .... النظرة الراهنة
.
ان الاهتمام باللحظة الاخلاقيه الراهنه هو الشاغل الرئيسى للاستاذ , ولما كان الاستاذ
يؤمن بأن نيتشه هو جدل اليوم " لقد استقطبت فلسفة نيتشة الجدل الجارى اليوم بين
الفلاسفة المعاصرين " (22), وهو الفيلسوف الذى رأى ان تاريخ الفلسفة السابقة عليه
هو تاريخ للاخلاق" لقد كان نيتشه الذى ينعت نفسه باللااخلاقين هو الاخلاقى الاول
فى تاسيسه للبحث فى القيم وجعلها المشكلة الفلسفية الاساسية" ( المصدر السابق
ص162 ) , وهو – اى نيتشه – الفيلسوف الأخلاقى بالالف واللام فيما يرى الاستاذ عطية
.ولقد كانت دراسته عن نيتشه أساسية فى التعبير عن توجهاته . · طرح الاستاذ لقضية المنهج
الجينالوجى النتشوى : ويعتقد البعض ان تناول نيتشه لابد وان يكون تناول جمالى ذاتى
يحاكى من خلاله فكر الفيلسوف ,لكن الاستاذ عطية يتناول نيتشه تناولا موضوعيا الا انه
يحاكى فكر الفيلسوف باعتبار ان تناول الاستاذ تناول جميل وان كان موضوعيا , فعلم جمال
العلم ينبئنا بان مبادئ جمال النص العلمى هى الاقتصاد اى التعبير عن افكار متعددة فى
كلمات قليلة وهذا ما فعله الدكتور عطيه فى دراسته عن نيتشة فجاءت الدراسة شكلا فى اربعون
صفحة الا انها موضوعا هى عدة كتب ضخمة بالعناوين التالية : نيتشه والفكر الفلسفى المعاصر
– نيتشه والنظرية العامة للقيمه – كتابات نيتشه فى القيم – القيم وارادة القوة – الجينالوجيا
. ويمكن ان اضيف عناوين أخرى كالتحليل التفصيلى لمعظم كتب نيتشه ان لم يكن كلها , القراءة
المعاصرة لنيتشه و قراءات نيتشه المختلفه , ديلوز قارئا لنيتشه , فوكو ونيتشه . هذا
من جانب ومن جانب اخر يحاكى الاستاذ نيتشه قائلا : "ويقتضى الامر ....ان نقف وقفه
نتشويه مع نيتشه الذى لم يفكر قط كما يقول البير كامى " الا تبعا لرؤية دمار كلى
مقبل – لعلنا نشعر بها – والعبارة الاخيرة من عند د.عطية . وذلك لا ليشيد بها ,بل ليتجنبها
ويحولها الى نهضة وانبعاث" و الامر لا يتعلق كما يتبادر للذهن لاول وهلة ان نكون
مع او ضد نيتشه , فقد نصحنا هو الا نتبع خطواته , بل يتعلق الامر بالدور الذى نهض به
فى النظر للميتافيزيقا الغربية بشكل عام فى اعادة طرحه لمشكلة حقيقة القيمة اكثر من
اهتمامه بقيمة الحقيقة " (ص 159-160 ) ومن هنا يطرح الدكتور عطية قضيه منهج نيتشه
الجينولوجى ويركز عليه تركيزا خاصا باعتبارة منهج يطرح مشكلة حقيقة القيمة كتب معرفا
بالمنهج الجينالوجى " طريقة تتبابع مراحل نشأتها- القيم – وتطور دلالتها , لا
من حيث تسلسلها المنطقى والعقلانى بل اعتمادا على مسلمة رئيسية مفادها ان القيم الاخلاقية
والمعانى والافكار ليست لها اصول ثابته وشفافة ومتعالية توجد خارج المحيط الانسانى
, وان ما يكمن وراء انتاجها وتطويرها فى جميع العصور هو شروط واقعية ووجودية ترتبط
بمصالح الحياة " (ص 161 ) وهذا من ناحية اسلوب الجينالوجيا اما عن فكرتها فيقول
" وتتلخص الفكرة الاساسية للجينالوجيا عند نيتشه فى كتابه " ارادة القوة
" بان جميع الظواهر عبارة عن تأويلات , ولا توجد هناك , على الاطلاق اية ظاهرة
فى حد ذاتها , وقياسا على هذا المنظور الجديد تصير جميع الافكار والحقائق والقيم الاخلاقية
مجرد نواتج لتأويلات الفلاسفة " ( فالجينالوجيا وان كانت تتبع منهج تطورى تاريخى
فهى ليست تاريخا بل هى انعاسات لارادات قوة متفاضلة كما يقول الاستاذ متابعا فى ذلك
بنعبد العال " ان الجينالوجيا ليست تاريخا واقعيا يفصل عالم القيم عن الواقع انما
هى تحاول ان تربط معانى الواقع بالمنظورات او التطلعات التى تعطيها قيمة وهى تدرك تلك
التطلعات من حيث هى ارادات قوة متفاضلة فيما يقول بنعبد العال فى اسس الفكر المعاصر
" ويشير الاستاذ الى ان هذا المنهج – المنهج الجينالوجى هو أكثر ما بقى من نيتشه
حيا معاصرا , اذ تابعه ميشيل فوكو ودريدا ورورتى وغيرهم الكثيرون من فلاسفة ما بعد
الحداثة , بل ان منهج نيتشه الجينالوجى هو المنهج التأسيسى لحركة ما بعد الحداثة كلها
, وخصوصا فى عملهم الذى يستهدف - على حد تعبير نيتشه - هدم الاوثان . · نيتشه وتعدد
قراءاته: يتناول الاستاذ عطية بالرصد والتحليل القراءات المختلفة المتنوعة لفلسفة نيتشه
فضلا عن القراءات العربيه له . حدد تلك القراءات كالاتى : 1 – القراءة الوجودية : التى
ترى ان فلسفة نيتشه , فلسفة مشدودة كالوتر بين مؤيدها ونقادها , مثلما كانت بالامس
القريب مصدر اهتمام فلاسفة الوجودية ياسبرز وهيدجر "( ص 134 ), و يرى الدكتور
عطية انها ذو طابع استلهامى فهيدجر كان نيتشويا فى مرحلة ما من حياته . 2 – القراءة
الماركسية : وهى قراءات ذات طابع نقدى رافض لموقف نيتشه السياسى " كما كانت اى
فلسفة نيتشه فى الوقت نفسه موضع نقد فى كتابات الماركسيين , ونجد تلك القراءة عند لوكاش
فى " تحطيم العقل" حيث يرى "ان المركز الذى تنتظم حوله افكار نيتشه
هو الهجوم على الاشتراكية ", وستبان اوديف " الذى يرى فى كتابه "على
درب زارادشت" ان نيتشه ضد الاشتراكية " وغيرها , وهى قراءة تجزء نيتشه وتحصره
فى اطار اراءه السياسية . 3 – القراءة الفوكوية المرتكزة على مفهوم القوة النتشوى
: " فالقوة عند فوكو كالقوة عند نيتشه لا تختزل فى علاقة عنف " (ص 133 )
, وقد ركزت هذه القراءة ايضا على مفهوم علاقة الحياة بالخلق والابداع . 4 – القراءة
العقلانية النقدية المرتكزة على رفض نيتشه للنزعة العقلانية : وهى حاضرة بشدة عند هابرماس
وجانى فاتيمو فى " نهاية الحداثه الفلسفات العدمية والتفسيرية فى ثقافة ما بعد
الحداثة " حيث يرى هابرماس فيما يقول الدكتور عطية ان الشكل الضمنى لفلسفة نيتشه
ابتعد عن البرهنة وبالتالى فسح المجال امام شتى التأويلات الغير عقلية(ص 134). 5 –
القراءة التحليلية عند فريدريك اولفاسون يقول" بالنسبة لنا اذا استعرضنا الفلسفة
التحليلية المعاصرة فاننا نجد نيتشه ليس فقط باعث ثورة على الاخلاق بل فى الميتا-اخلاق
"( ص 144 ) . ويتابع الدكتور عطية كل من ديلوزالذى يرى فيه انه من الذين استوعبوا
نيتشه وقدموا عنه دراسات عديدة , كما يتابع كارل لوفيت . اما اذا انتقلنا للقراءات
العربية لفلسفة نيتشة فيرصد لنا عطية جهود فرح انطون الذى لم يحذف من كتابات نيتشه
المسائل الدينية , وسلامة موسى الذى اهتم بالسوبرمان , و نقد الدكتور اسماعيل ادهم
على هكذا تكلم زاردشت من منظور نقدى ودينى , حيث يرى من خلال نيتشه ان الدين عدا انسانيا
,ولاينسى مرقس فرج بشارة , اول كتاب يصدر عنه بالعربية , وتحليلات يوحنا قمير . ثم
عبد الرحمن بدوى الذى تابع القراءة الوجودية لنيتشه (23), وكان لنيتشه بدوى تاثير على
ثورة يوليو فى مصر يرصده الاستاذ عطية من خلال كتابه عن بدوى , ثم فؤاد زكريا وسعاد
حرب . وفى كل هذا لا ينسى الاستاذ ان يرصد الخط الواصل بين نيتشه و القراءة الهيدجرية
الوجودية له و قراءة فلاسفة ما بعد الحداثة فوكو وديلوز ودريدا . · ارادة القوة.. ارادة
قلب القيم ينزع الاستاذ اولا السمعة السيئة لمفهوم ارادة القوة عند نيتشه متابعا اميل
برييه فى قوله : " ليس صحيحا ان ارادة القوة لدى نيتشه عنوان للقوة الوحشية والمدمرة
, فتأملات نيتشه الاخيرة كشفت له على ما يبدو ,على العكس من ذلك ,ان غزارة الحياه تتجلى
فى اختيار وتنظيم دقيق للعناصر التى تسيطر عليها " ( ص 158 ) و يتضح ذلك اكثر
بقول لافيل " الحق ان نفى نيتشه القيم الذائعة لا يستقيم الا بتوافر شروط الاعتراف
بوجود قيم صحيحة "(ص 157 ) . ثم يؤكد الربط بين ارادة القوة و قلب القيم
" وارادة القوة هى حقيقة فلسفة نيتشه ,ان مصدر قلب القيم ليس التأمل والتحليل
بل محض اثبات القوة "وذلك بعد تحليله الدقيق للكتاب , ويبرز التحليل فى ايضاحة
للبنية الرباعية لكتاب ارادة القوة الذى ينقسم لاربع كتب : "الكتاب الاول العدمية
ويتناول العدمية وتاريخ العدمية الاوربيه والثانى نقد القيم العليا الحالية ويتكون
من اقسام ثلاثة هى :نقد الدين ,نقد الاخلاق ,نقد الفلسفة,ويقدم الكتاب الثالث مبادئ
التقييم الجديد .فى اربعة مجالات : ارادة القوة كمعرفة ,ارادة القوة فى الطبيعة ,ارادة
القوة كمجتمع وكفرد وارادة القوة باعتبارها فنا والكتاب الرابع التاديب والتهذيب ويتكون
من اقسام ثلاثة هى :نظام التراتب ,وديونيسوس , والعود الابدى "وغاية ما يطرحه
علينا ذلك الكتاب " ان الوجود ليس الا الحياة , وليست الحياة الا ارادة وليست
الارادة الا ارادة القوة " ويقول ايضا مع كريستيان ديكام " ارادة القوة
,ارادة ( النعم واللا) وشروط امكانية الحياة , هى القيم " ( ص158) . ويحدد لنا
الاستاذ " المقصود باللا اخلاقى وهى العبارة الصادمة لنيتشة , على انه يقف خارج
هذه الاخلاق السائدة أخلاق العبيد والضعف بمعزل عن الخير والشر المتعارف عليه"
(ص 146 ) . · نيتشة وتعدد الاخلاقيات : رغم ما هو معروف عن نيتشه من قول بنوعين من
للاخلاق هما أخلاق السادة ( القوة ) وأخلاق العبيد ( الضعف ) الا ان تحليلات د. عطية
توضح معنى أ خلاق السادة والعبيد عن نيتشه وتناوبهما فى تاريخ البشرية ووجود انواع
أخرى غير هذه الاخلاق السائدة يقول " روما ضد يهودا وياهودا ضد روما .... حيث
خص روما بالقوة لمعرفة اى اخلاق تسود الان و ما ان انتصرت اخلاق القوة حتى ظهر الحقد
اليهودى وان عادت قيم السيادة والقوة والنبل فى عصر النهضة , لكن سرعان ما انتصرت ياهودا
من جديد بفضل حركة الاصلاح ومع الثورة الفرنسية حين تهاوت اخر مقاعد النبلاء
"(24). يرى الاستاذ ان معظم الدراسات الاخلاقية عن نيتشه ترتكز على اخلاق العبيد
والقطيع او الاخلاق المسيحية فى مقابلة اخلاق السادة والقوة والنبل , وان كانت هذه
النقطة هامة الا انه لا ينبغى الاقتصار عليها , فالاخلاق عند نيتشه ثلاث : اخلاق سلبية
متمثلة فى رفضه للاخلاق السائده , اخلاق السادة والعبيد , الاخلاق النفسية و الميتا
– اخلاق . ان نيتشه يعد فى رأى الاستاذ من رواد الميتا – اخلاق , كما اهتم بأخلاق نفسية
, ويتضح ذلك من خلال تأثره ببول رى فى كتاباته(25) واعتقاده فى ضرورة البحث عن اصل
الاحاسيس الاخلاقية . والاخلاق النفسية عند نيتشه ترتكز على"ان الانانية مقولة
اساسية فى أخلاقه"(26). فالاخلاق النيتشويه تشكل مذهبا للاحساسات الاخلاقية ,وهو
ما ينبهنا له الدكتور عطية , وخلاصة هذا المذهب تتمثل فى" ان الاخلاق كما فهمت
حتى الان وكما قدمها شوبنهور هى نفى ارادة الحياة لذلك يطالبنا نيتشه بتاكيد للحياه
" (27). يعد هذا الموقف أحد العناصر الهامة فى الاخلاق النيتشويه , ان لم يكن
العنصر الاهم على الاطلاق , فالنقد الاخلاقى – الفلسفى الجذرى الذى قام به نيتشه ,
وتمثل فى رفضه للاخلاق المثالية كما ظهرت لدى كانط فى "تاسيس ميتافزيقا الاخلاق
" ورفضه ايضا للاخلاق المسيحية و اعادة الاعتبار لهذا الموقف فى الدراسات الاخلاقية
عن نيتشه هو الدور الذى قام به الاستاذ الدكتور عطية. وهذا ما يطرح التساؤل التالى
هل نيتشه فى رفضه للاخلاق السائدة قدم ثورة شاملة عليها ,ورفض قاطع لها, ام انه قدم
اصلاح لها , وتعديل لمسارها . " فلسفة نيتشه باكملها هى محاولةمن اجل اعادة تقييم
القيم او قلب القيم "(ص132 ), "المعادلة الاساسية "الوجود = القيمة
انما تشكل العنصر النوعى فى فلسفته ولا يمكننا حذفه دون ان نحذف نيتشه بكامله معه
", " لقد سعى نيتشه الى خلق مشكلة القيم والتقويم وهو الذى وجه الفلاسفة
الى تاسيس الاكسيولوجيا . هذه الاستشهادات من اوجين فنك وجيل دولوز توضح المكانه الفريدة
لنيتشه فى مجال الاخلاق , على عكس ما يظن البعض . تعد ارهاصا لخلاصة ما ذهب اليه الاستاذ
عن نيتشه والقيم والاخلاق "والحقيقة ان الباحث المتعمق لفلسفة نيتشه الاخلاقية
يدرك ان قضية نيتشه وتفكيره يتجاوز ما طرحه من تساؤلات وافتراضات حول اصل الاخلاق لقد
كان انشغاله وتفكيره يتعلق بقيمة الاخلاق " (ص 150 ) .
4 - اخلاق العصر الراهن
..... النظرة الفاحصة .
· نيتشويه العصر : يبدأ الاستاذ عطية دراسته عن " الاخلاق
فى عصر ما بعد الحداثة " متابعا لجاكلين روس فى كتابها" الفكر الاخلاقى المعاصر"
, بالحديث الموضوعى عن سياق العصر الراهن, فهو يقدم دراسة شاملة عن الخصائص الفلسفية
العامة للعصر الذى نحيا فيه , عصر ما بعد الحداثة , وفى ايجاز شديد نرى الاستاذ يغطى
مساحة فكرية كبيرة , اذ يرصد و يحلل هذه الخصائص وهى:" افلاس المعنى والفراغ الاخلاقى
المعاصر" : يشير الى "تلاشى الاسس المعتادة الانطولوجية والدينية"
( ص 176 ) التى يمكن ان نؤسس عليها اخلاق نظرية , وهو ما سيرتبط بالطرح الاشكالى الممتد
عبر الدراسة كلها عن كيف يمكن تأسيس اخلاق نظرية فى عصر يمتلك تلك الخصائص الصعبة
, كما يشير الى ازمة الحقوق ومفهوم العدالة فى سياق العصر , ولابد اذا ذكر الفراغ و
المعنى ان تذكر عدمية نيتشه فها هو الاستاذ يهتم دائما برصد تأثير ذلك الفيلسوف على
العصر الراهن , وعدمية عصرنا تختلف عن عدمية نيتشه كما يشير الى ذلك الاستاذ مستشهدا
بقول هانز يوناس " اننا نرتعد الآن فى عراء عدمية تتزاوج فيها اكبر قدراتنا مع
الفراغ الذى نحيا فيه "(ص 176 ). ثم يتحدث عن : "غياب المنظومات الكبرى وموت
الايدلوجيات" كما يذكر ليوتارد اى "ابعاد المذاهب والمنظومات الاحادية التى
ظلت سائدة طويلا", واختفاء الحكايات الكبرى يظهر بعدا اساسيا اخر من هذه
" العدمية الشاملة بوصفها عصر"–على حد تعبير الاستاذ – فهو يقول واصفا عصرنا
" انتهت فيه الغايات وتلاشت القيم العليا"(ص 177) , ويقف الاستاذ على مفهوم
الحكايات الكبرى عند ليوتار مفسرا اياه بان " مذاهب القرن الثامن عشر المرتبطة
بتحرير المواطن وفكرة التنوير كانت تعمد الى ان التاريخ البشرى يسير وفق غاية عقلية
اكدها هيجل فى تصوره لتطور الوعى فى العالم , و الماركسية فى تصور عالم لا طبقى يعيش
فيه الجميع " وهو يشير لاثر ذلك على الاخلاق فيرى ان انقلاب الايديولوجيات هو
اصل اعادة تنظيم مبادئ الاخلاق النظرية و الوهم الكامن فى كل مشروع شامل عن المجتمع.
وثالثا : " سيادة الفردية " فهو يقول " تظهر الفردية بشكل سافر"ويتحدث
عن الفردية فى اطار شكل اخر مختلف لها عن تلك الفردية فى مرحلتها الاولى التى كانت
" فردية فتية تعتز بالفرد مقابل كل السلطات وتعتز بقدرته اللامحدودة على تحقيق
غاياته فى بناء المجتمع فهى نوع من ارادة القوة – حضور نيتشه عند الاستاذ دائما - يتحرر
فيها الفرد من قيد المجتمع سواء الدولة او الكنيسة " (ص 178 ),وهو يتتبع تطور
الفردية من هذا الشكل كما بدت فى عصر الحداثة والتنوير الى ان وصلت الان لشكل مختلف
"لافراد متمردين على كل الانظمة والقواعد وشتى الالتزامات,تعبر- الفردية - عن
الرغبة فى المتعة اللانهائية , المتع النرجسية , انها تعبر عن قيم الاستمتاع ,الاباحيات
,الخصائص المزاجية الجامحة "ومن هنا يصل الاستاذ لطرح ذلك التساؤل ما الذى يستطيع
ان يكون مصدر قبول كلى فى مجتماعاتنا المعاصرة المتقدمة ؟ وخاصة ان علمنا ان هدف اى
اخلاق هو " الانتقال من المبعثر والجزئى والذاتى الى الامر الكلى "(ص
179 ) . ويعرض رابعا : ل" تطور العلم والتكنولوجيا " العلم الذى كان مصدر
تقدم الانسان ورفاهيته وامنه " كما يرى الاستاذ صار اليوم غاية الخطورة , فالانسان
" ينزع للتجريب والتجديد لا فى الطبيعة الخارجية فقط بل فى الكيان الانسانى (
الهندسة الوراثية – الاستنساخ ) "ويستشهد الدكتور بكارل اوتو ابل فى كتابه"
الاخلاق فى عصر العلم " , " ان العلم والتقنية يقودان فى الواقع الى توحيد
المجتمع المعولم , كما يقودان الى حاجة اكبر للمسئولية , فقد بلغت النتائج التكنولوجيه
للعلم مدى عالميا وهى تطالب ببعث اخلاقى وليس فى وسع اى اخلاق خاصة ناجمة عن جماعة
اجتماعية محددة ان تنظم مسائل بمثل هذا الاتساع " فتقدم القدرة التكنولوجية للانسان
يفجر الاحساس بالمسئولية , الذى يبرر الدعوة لتأسيس أخلاق عصرية . ونلاحظ ملحوظتان
على ما فات اولا: حضور نيتشه الدائم عند الاستاذ كمرادف للراهن مما يدعم قولنا بان
دراسته عن الاخلاق النيتشوية دراسة تأسيسية تهتم بالراهن . ثانيا : حضور الطرح الاشكالى
حول تأسيس أخلاق معاصرة فى تحليله لعصرنا وتبيان مدى صعوبة ذلك ومدى اهميته فى ان واحد
. فهو يرى ان "الاخلاق ضرورية واشكالية معا", كما يرى مع جاكلين روس ان
" القيم هى الهدف الاقصى لحماية المجتمعات الديمقراطية الحديثة "(ص 173
) وان لم تكن الاخلاق ضرورية فى عصرنا, هذا فما الذى يفسر ازدياد الطلب الاخلاقى
" فهو يبدوا انه ينمو نموا لا محددا فكل يوم نجد قطاعا جديدا من قطاعات الحياة
ينفتح امام الواجب " ( الموضع نفسه ), ان "مهمة التأسيس اصعب غرض لعصرنا"
كيف نرقى اذن لنبلغ فكرة التأسيس الاخلاقى النظرى ؟ ان الهوة بين الطلب الاخلاقى النظرى
الملح والعمل التاسيسى الحقيقى لهذه الاخلاق, هى المفارقة" (ص 174 ) · كانطية
الأخلاق : التاكيد عن التعبير عن الاخلاق هنا بكلمة الواجب هو الحدس الجوهرى لهذه الدراسة
ككل , فالاخلاق اليوم كما يرى الاستاذ اصبحت علم الواجبات حيث اختلطت بعلم القواعد
, ولم تعد البحث فى جملة القواعد السلوكية المتعلقة بثقافة معينة او مجتمع ما , والاخلاق
من حيث هى ذلك ومن حيث هى علم واجبات هى الاخلاق الكانطية,بالالف والام . ان الاستاذ
هنا يقدم الارهاص لدراسته كانط وما بعد الحداثة , التى تعد فتحا جديدا فى مجال دراسة
فلسفة ما بعد الحداثة , فالقراءة المعتمدة لما بعد الحداثة هى قراءة نيتشه ونقديته
الجذرية ذو التأويل الوجودى , فى حين يبدوا كانط كأصل من أصول ما بعد الحداثة , قراءة
انقلابية , حيث نيتشه ونقديته الجذرية هى المقابل الموضوعى -وان شئت قل العدو المكمل-
لكانط ونقديته العقليه , فكيف اجتمع فى عصر ما بعد الحداثة كانط ونيتشه . وعلى طريقة
المدونات الاخلاقية فى العرض نقول يقدم لنا الدكتور عطية المبادئ العشرة للفكر الاخلاقى
المعاصر ,اولها مميز من حيث هو مبدأ شهد تقهقرا جزئيا فى الفترة الاخير وهو مبدأ الفاعل
الحر المستقل و اخرها مبدأ مميز باعتبارة مبدأ جديد يتميز به عصرنا اما الثمانى مبادئ
الاخرى فهى مبادئ تقليدية حيث " لا يمكن ان توجد قطيعة بين الاخلاق المعاصرة وبين
اصولها "(ص 183 ) فى الاخلاق النظرية التقليدية . او يمكن ان نردد مع الاستاذ
عطيه ان" ذاكرة التقاليد تنصهر فى مغامرة الاخلاق النظرية الجديدة "(ص
190 ) . فاذا عدنا لكلاسيكيات الفكر عن فاعل حر مستقل ضرورى للمسئولية الاخلاقية ,
فيقول الدكتور عطية :" الفاعل المستقل استقلالا ذاتيا والمسئول الذى يحدد لنفسه
بنفسه قوانينه الخاصة دون الرجوع الى سلطة خارجية , مسئول عن ذاته وافعاله كل المسئوليه
بوصفه حرا " (ص 181) هل لهذا الفاعل فى عصرنا وجود ؟ وهل للسلطة الخارجية او احيانا
الداخلية المستمدة من الخارج كما يوضح لنا فوكو حدود او قيود او نهاية ؟ ان الكل يتحدث
عن السلطة والتسلط فى عصرنا هذا بكل الاشكال. فهل يجوز ان نتحدث عن مبادئ للاخلاق المعاصرة
دون الحديث عن تلك الظاهرة وهى استلاب حرية الفرد وطمس وجوده لصالح السلطة,والاستاذ
عطية يطرح علينا تلك الاشكاليات يحدثنا عن ان الفاعل الحر المستقل هو المبدأ الاخلاقى
الذى دافع عنه الثلاثى التنويرى الهام فى تاريخ الفلسفة , باعتباره اساسا لاى اخلاق
, ديكارت وكانط وسارتر , والدكتور عطية يوضح ذلك ويطرح علينا تلك الاشكاليات قد قدم
دراسة مستقلة عن الاخلاق الديكارتية وهو يؤكد هنا حديثه عن "الكرم بوصفه عاطفة
السلوك الحر عن طريق الارادة عند ديكارت" ( الموضع السابق ) , واعتقد اننا نرى
هذا المبدأ واضحا غاية الوضوح فى وجودية سارتر , اما التأسيس لهذا المبدأ فكان لكانط
. فيرى الدكتور احمد انه " عند كانط الارادة تهب نفسها قانونها , فالقانون الاخلاقى
لا ياتى من سلطة خارجية بل من الانسان نفسه ,الذى يعد موطنا وملكا فى مملكة العقلاء
,وهو مصدر السلوك الاخلاقى ,فالقانون الذى تخضع له الارادة الاخلاقية يصدر عن الارادة
نفسها "( الموضع نفسه ) , ويجيب الدكتور على سبب نسبيا للتقهقر لهذا المبدأ الاخلاقى
هو صعود نجم البنيوية فيقول "غابت الذات وظهر النسق والبنية وتحدث فلاسفة ما بعد
الحداثة عن موت الانسان ان غياب الذات الانسانية ,الفاعل الاخلاقى فى اطار الفلسفة
البنيوية وما بعد البنيوية يشكل عاملا مقوما للاخلاق النظرية المعاصرة فبينما تميل
فلسفة الفاعل الى تعريف الانسان بانه فرد حر مسئول مانحا الاشياء المعنى تؤكد البنيوية
على النماذج المجردة واولوية البنية بالنسبة للفاعل المسئول وبدلا من ان يكون الوعى
والفاعل واهبى المعنى والمعقولية نجد ان القواعد والمنظومات والعلاقات هى التى تقدم
النسق الحقيقى حيث يختفى الفاعلون"(ص 182 ) . يبدو التقهقر جزئيا ومحدود عند ميشيل
فوكو حيث اهتم بالفاعل بوصفه علاقة ناجزة مع الذات فى التحليل الجينالوجى للاخلاق فى
كتابه الاهتمام بالذات وهو ما عاد ليؤكده من جديد جيل ديلوزفى الاختلاف والتكرار فهو
يقدم " رؤية عن الواقع بوصفها حقلا خلو من الفاعل ومن الفردية الشخصية "
(ص 182 ) كما يرى الاستاذ فهو يرى ان الفكر المعاصر يحملنا نحو عالم طرد منه الفاعل
. اما اذا انتقلنا للمبدأ الجديد الذى يرصده الاستاذ فهو النشاط التواصلى , و مفهوم
الاتصال مفهوم حديث يشغل منزلة كبرى فى الفكر المعاصر ويدل فى اطاره العام على معنى
عام جدا على ذلك التبادل بالاشارات او الرسائل الذى يجرى بين شخص واخر او بين جماعة
واخرى ,والتفكير ايضا اتصال, والنظر العقلى يعود الى مبدأ الاتصال واللغة , ومن هنا
ظهر مفهوم العقل التواصلى بوصفه قدرة بين الاشخاص تعمل وفق قواعد حيادية . تعمد الى
بديهيات مشتركة فى عصر اصبح فيه وجود المشترك صعبا وسيتتبع الاستاذ ذلك المفهوم عند
كل من هابرماس وكارل اوتوابل فى كل من نظريتهم الاخلاقية . يذهب الاستاذ عطية الى ان
الاخلاق النظرية فى جوهرها ليست دينية مادامت تسعى وتنتظم وفق صورة العقل وعلى ضوء
المنطق الا انه على الرغم من ذلك فان تاؤيل المعنى الدينى ,قد يندمج فى اخلاق نظرية
, ويقدم المبدأ الالهى موضوعات مركزية للتفكير فى مذاهب اخلاقية فاذا كانت " هناك
صلات وروابط تجمع الاخلاق بالدين ليس بمعنى اخضاع الاخلاق النظرية لمذهب دينى"
و هو يتابع فى ذلك الاساس الكانطى للعلاقة بين الدين والاخلاق النظرية بقوله ان
" الدين يقدم معطيات وامثلة للتخلق لكن اساس الاخلاق النظرية ليس دينيا فالعقل
العملى مستقل عن كل معرفة دينية "(ص 184 ) و ان كان " ليفيناس ينطلق من التقليد
التلمودى والتوراه الا ان عمله كما يخبرنا د. عطية تحليلا فينومينولوجيا فهو لا يقيم
الاخلاق على اساس دينى بل على تجربة الاخر على فينومينولوجيا الوجه فالوجه من خلال
الشفافية يجاوز كل قدرة بشريه من حيث سموه وتعاليه " , وبعيدا عن ليفيناس يمكننا
ان نتساءل أليس المبدأ الدينى يعود للاخلاق العمليه وبشدة كما نجد لدى الدعاة الجددومدعى
التنمية بالايمان حيث يقاربوا اخلاق تبدوا وكأنها مستقاه من مبدأ دينى و تلك ظاهرة
عالمية وليس ذات نطاق عربى او اسلامى فقط فالصحوة الدينية الجديدة تتخذ فى العالم كله
شكل أخلاقى . ان اشكالية علاقة الدين بالاخلاق فى عصرنا هذا تحتاج لنقاش اكبر يدعونا
اليه الاستاذ . يتوقف الاستاذ عند الطاقة وقوة العمل والنشاط والحركة المبدعة لتاكيد
الحياة فى مبدأ الجهد والقوة عند نيتشه ودولوز . وكذلك عند مبدأ الواقع , مبدأ القسوة
كشكل من اشكال الواقع وهو مبدأ صادر عن الالم والشر . ثم يتناول مبدأ المسئولية وهو
مبدأ يعود لافلاطون فى الجمهورية حيث يقول " كل انسان مسؤول عن اختياره اما الالهة
فلا دخل لها "ومن افلاطون الى يوناس حيث يحاول تضخيم ذلك المبدأ وربطه بالزمن
قائلا "مسئوليتنا تتجه الى اعمالنا الماضية التى ينبغى علينا الاضطلاع بها من
جهة ثم الى عالمنا القريب كما تتجه نحو المستقبل " ( ص 185 ) فنجد هنا كما يقول
الاستاذ " تحول جذرى لنظرية المسئولية عند يوناس فتناول المسئولية فى الزمان وليس
فى الابدية وتظهر بوصفها حفاظا على الحياة فى المستقبل"(ص 186 ) . وحين يتناول
مبدأ الحرية والمساواة يوضح الاستاذ انه ليس المقصود بالحرية هنا " الحرية الميتافيزيقية
بل حرية القدرة على الفعل التى تنطوى على حرية التعبير حرية الاستمتاع بالملكية
" فكما يؤكد اسبينوزا ان " العدالة تعتبر المواطنون متساوين وتصون بالتساوى
حق كل واحدا منهم " (ص 186 ) وكذلك رسو فى العقد الاجتماعى يؤكد على " فكرة
المشاركة المتساوية فى الحقوق الاساسية بفضل تاثير الحياة الاجتماعية والعقد"
. ويتابع الاستاذ عودة ذلك المبدأ من جديد مع رولز فى " نظرية العدالة "
تم ادماج مبدأ الحرية والمساواة بمبدأ آخر هو مبدأ الاختلاف : "هو المبدأ القائل
بوجوب قبول انواع التفاوت الاجتماعية والاقتصادية, والاختلافات شريطة ان تكون لصالح
الاقل حظا , وانها تكفل لهؤلاء وضعا مرضيا ان انواع التفاوت تنظم لصالح كل فرد
"(ص 178 ) , رولز اكد عليه حيث يرى "انه من الواجب توزيع المنافع على نحو
يفيد منه الاقلون حظا "( الموضع نفسه ) وهو مبدأ يصحح فى ان واحد مبادئ الليبرالية
ومبادئ الاشتراكية كما يرى الاستاذ .فالانصاف مراعاة التفاوت وليس العدل التوزيعى
. ويضيف الى ما سبق مبدأ الثقافة الجمالية الذاتية " الامر الذى كان يشغل بال
القدماء اكثر ,انما هو تكوين ضرب من الاخلاق التى تشكل جمال الوجود "(ص 188 )
. ويوجهنا الاستاذ الى مبدأ التحديد الذاتى واحترام الحياة وهذين المبدأين يسودان الدراسة
التى تدور حول قضايا الاخلاق النظرية التى يطرحها تقدم الطب والبيولوجيا ,مبدأ التحديد
الذاتى للفاعل القادر فى مجال الطب و يعرفه لنا الاستاذ وهو" اسم جديد لمبدأ الاستقلال
الذاتى الذى يحيل لاحترام الشخص حيث احترام الحياة فى البيواثيكا ينبغى ان يكون بشكل
صارم وهو لا يعنى الرجوع لذات بيولوجية بل يأخذ كيفية الحياة فى الاعتبار الحياة كما
يجب ان يحياها الشخص" و يؤكد الاستاذ على ان "الاخلاق الحياتية المتعلقة
بكرامة الانسان ,هى اعلى الى مالانهاية من مجرد الحياة تعود الى الفكرة الكانطية بان
الانسان غاية فى ذاته " ( ص189 ) كان هذا المستوى الاول لدراسة الاخلاق فى عصر
ما بعد الحداثة او مستوى دراسة الاطر الثقافية العامة للعصر والمبادئ التى تعيد صياغة
الاخلاق فى عصرنا هذا , ينقلنا الاستاذ الى مستوى آخر وهو العرض الوافى الموسع لاهم
النظريات الاخلاقية المعاصرة . الا انه من الواضح لنا ان الدكتور عطيه لا يكتفى بهذا
العرض بل يسعى للتعمق اكثر فى كل هذه النظريات فهو يشرف على رسالة ماجستير عن الاخلاق
عند ليفيناس , واخرى عن الاخلاق عند ليوتار , وثالثة عن الاخلاق عند ميشيل فوكو , ورابعة
عن الاخلاق عند كارل اوتو ابل وهذه النظريات هى : مذهب الرغبه والسعادة عند ديلوز
, اخلاق التعالى الدينى عند ليفيناس , الاخلاق والعلم لكارل اوتو ابل , هابرماس والاخلاق
التواصليه , من الامر القطعى القديم الى الامر الجديد عند يوناس . ونستطيع ان نتبين
من الخريطة البحثية هذه , اننا فى مدرسة أخلاقية يتولى كل بحث العمل فى جانب من جوانبها
. هكذا تبدو الدراسه الاخلاقية عند الاستاذ خطة عمل للمستقبل . المستوى الثالث من هذه
الدراسه وهو مستوى مبتكرا نادرا ما نجده فى الدراسات الاخلاقية العربية ويتناول الاخلاق
النظريه التطبيقيه وهو يعرف الاخلاق التطبيقية واهميتها وظهور المدونات الاخلاقية عنها
ثم ينتقل للاخلاق الحيوية " البيواثيقا " ملقيا الضوء على تاريخها وتحدياتها
الاساسية وعلاقتها بالقانون والقضايا التى تطرحها علينا . ان الاستاذ يقدم لنا فى العربيه
ولاول مره بشكل اكاديمى " اخلاق ما بعد الحداثه " وهو لا يكتفى بهذا التقديم
بل يضيف عليه ما يشرف عليه من رسائل علميه اضخم , فاذا كان عبد الرحمن بدوى صاحب الاخلاق
الوجوديه فى العربيه وزكى نجيب محمود صاحب الاخلاق الوضعيه وتوفيق الطويل صاحب الاخلاق
العقليه, فاننى اقول بان التأسيس لدراسة الاخلاق فى عصر الحداثة الفائقه وما بعدها
فى العربيه يرجع الى الاستاذ الدكتور احمد عبد الحليم عطيه الذى حدد خريطة العمل وأرشد
الطلاب وبدأ البحث ولا يزال مستمرا اقول هذا واعلم تماما ان هذا السطر ربما لا يقبله
الاستاذ تواضعا منه ونكران للذات , الا انه اذ لم يقال اليوم سيقال غدا لانه حقيقه
موضوعيه يتحقق منها كل من يتابع اعماله . (*) أخترنا فى بحثنا الحالى مقاربة أهم ثلاث
كتب فى فلسفة الاخلاق عند الدكتور أحمد عبد الحليم عطية فى وجهة نظرنا : دراسات فى
الاخلاق الصادر عن دار الثقافة العربية بالقاهرة , 2002 . الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات
اخرى , دار الثقافة العربية, 2007 . الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر: دراسة تحليلية
للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع
, 1998.
(**)باحث فى الفلسفة - جامعة القاهرة (1) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى
الاخلاق , دار الثقافة العربية , 2002. (2) أحمد عبد الحليم عطية : الخطاب الفلسفى
فى مصر : دراسة فى الافكار و الاعلام , دار قباء , القاهرة ,2001 , ويحتوى دراسات عن
كل من توفيق الطويل ودراسات القيم فى العربية ص 201- 244 ,زكى نجيب محمود : القيم بين
الوضعية والمدرسة الانفعالية ص245-276 , التفتازانى والنص الصوفى ص 387-422 , عثمان
أمين : الجوانية والمثالية الديكارتية ص 423-444 , يحى هويدى وفلسفة الحضور الانسانى
ص 457-472 . (3) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق فى الفكر العربى المعاصر- دراسة تحليلية
للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى , دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع
, 1998. (4) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , دار الثقافة
العربية, 2007. (5) أحمد عبد الحليم عطية : الخطاب الفلسفى فى مصر ,دار قباء , القاهرة,2006
. (6) يتضح ذلك فى اعطاء الفرصة لهؤلاء بالبحث وفتح المجال امامهم للنشر وتكوين فرق
عمل منهم فى فلسفة الأخلاق الراهنة لدى كل من ليفيناس وكارل اوتو ابل وليوتارد وفوكو
وغيرهم . (7) وهنا اشير إلى كتاباته الاخلاقية المتعددة بالاضافة إلى دراسته فى فلسفة
القيم مثل : القيم فى الواقعية الجديدة,وميتافزيقا القيمة , والقيم فى الفكر الغربى
المعاصر . وان كنت سأقتصر على عدد من كتبه الاخلاقية (8) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر
الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , دار الثقافة العربية, 2007.ص5. (9) المرجع نفسه , ص
6 . (10) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , دار الثقافة العربية , 2002.ص11.
(11) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق .ص5.
(12) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق ,مرجع سابق .ص77 (13) المرجع نفسه
,ص 107 . (14) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق
,ص41 . (15) أحمد عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , مرجع سابق , ص149 . (16) أحمد
عبد الحليم عطية : الفكر الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق ,ص71 . (17) أحمد
عبد الحليم عطية : دراسات فى الاخلاق , مرجع سابق , ص 57 (18) عن أثر جالارثا على أجيال
الاساتذه الرواد فى الجامعة المصرية , راجع دراسة أحمد عبد الحليم عطية فى مقدمة نشرته
لكتاب جلارثا : الفلسفة العامة وتاريخها فى الجامعة المصرية . (19) انظر أحمد عبد الحليم
عطية مقدمة ترجمةكتاب وولش الاخلاق الهيجلية . (20) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق
فى الفكر العربى المعاصر- دراسة تحليلية للاتجاهات الاخلاقية الحالية فى الوطن العربى
, دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع , 1998. ص 70 . (21) أحمد عبد الحليم عطية : الاخلاق
فى الفكر العربى المعاصر , مرجع سابق , ص 177 . (22) أحمد عبد الحليم عطية : الفكر
الاخلاقى الجديد ودراسات اخرى , مرجع سابق .ص 162 . (23) المرجع نفسه ص 157 (24) المرجع
نفسه ,ص 153 (25) المرجع نفسه,ص 145. (26) المرجع نفسه ,ص144. (27) المرجع نفسه ,ص
155.
9 – مقال بعنوان "أتيقا الراهن : قراءة فى
كتابات الاستاذ عطية " وهو استاذ فلسفة القيم والاخلاق المعاصرة بكلية الاداب
–جامعة القاهرة – مجلة أوراق فلسفية العدد 22 -2009
مكتب الفيلسوف الحر
الموقع الالكترونى مكتب الفيلسوف الحر